ونرى القرطبي أحياناً أخرى يفاضل بين آراء المالكية ويختار منها، ففي قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ بيّن في المسألة الرابعة عشرة حكم التكبير في الصلاة، وموقف بعض فقهاء المالكية منه. ثم اختار أقرب الآراء إلى رأي الجماعة وقوى ذلك بما ذكره من الأحاديث. فقال: ((وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند الجمهور ... وقال أصبغ ابن الفرج وعبدالله بن عبدالحكم: ليس على من يكبّر في الصلاة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبّر تكبيرة الإحرام، فإن تركه ساهياً سجد للسهو، فإن لم يسجد فلا شيء عليه، ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامداً لأنه سنة من سنن الصلاة. فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه وصلاته ماضية. ثم رجّح القرطبي هذا الرأي. وبين أنه يتفق مع رأي الجمهور وساق بعض الأحاديث لتقويته، فقال: ((قلت: هذا هو الصحيح وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن القاسم ... " انتهى.
65 - قال مشهور (ص 171 - 173) وهو يتحدث عن مالكية القرطبي وهي تتمثل في أمور: "الثاني: نسبة نفسه إلى المذهب المالكي، ولا عجب في ذلك فهو المحيط به إحاطة واسعة، وبأقوال علمائه، وبأصوله وقواعده.
الثالث: تمحيص الأقوال المنسوبة إلى الإمام مالك، وبيان ما صحّ منها وما لا يصح مما يُنسب إليه خطأ، وبهذا تعدّ كتب الإمام القرطبي على وجه العموم، والتفسير على وجه الخصوص من المصادر الهامة في تحرير المذهب المالكي.
وهاك مثالاً على الأمرين السابقين:
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾: ((ولا بدّ في غسل الوجه من نقل الماء إليه، وإمرار اليد عليه، وهذه حقيقة الغسل عندنا – يقصد المالكية، وهو منهم – وقال غيرنا: إنما عليه إجراء الماء، وليس عليه دَلكٌ بيده)) [توثيق حاشية: الجامع لأحكام القرآن: (6/ 83)] ".
ثم ذكر مسألة غسل الجُنُب، فقال: ((اعلم أن العلماء اختلفوا في الجُنُب يصبّ على جسده الماء أو ينغمس فيه ولا يتدلك، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجزئه حتى يتدلك، لأن الله سبحانه وتعالى أمر الجنب بالاغتسال، كما أمر المتوضئ بغسل وجهه ويديه، ولم يكن للمتوضئ بدّ من إمرار يديه مع الماء ...
والذي يهمنا هنا ما كشف القرطبي به عن خبرته بالمذهب المالكي، وتصحيح ما قد نسبه البعض خطأ إلى مالك!! قال رحمه الله تعالى: ((وبه – أي بعدم وجوب التدليك – قال محمد بن عبدالله بن الحكم، وإليه رجع أبو الفرج، ورواه عن مالك؛ قال: وإنما أمر بإمرار اليدين في الغسل لأنه لا يكاد من لم يمر يديه عليه يسلم من تنكّب الماء عن بعض ما يجب عليه من جسده. قال ابن العربي: وأعجب لأبي الفرج الذي روى وحكى عن صاحب المذهب أن الغسل دون ذلك يجزئ!! وما قاله قطّ مالك نصاً ولا تخريجاً وإنما هي من أوهامه!!.
ويتعقّب القرطبيُّ ابن العربي ويذكر أنه هو الذي وهم، فقال: ((قلت: قد روي هذا عن مالك نصاً، فقال مروان بن محمد الظاهري وهو ثقة من ثقات الشاميين: سألت مالك ابن أنس عن رجل انغمس في ماء وهو جنب ولم يتوضأ، قال: مضت صلاته)) [توثيق حاشية: الجامع لأحكام القرآن: (5/ 211)].
فأنت ترى أن القرطبي قد صحح ما حكاه أبو الفرج عن مالك، وذلك على أساس من درايته بالمذهب، على الرغم من إنكار واحد من كبار علماء المالكية – وهو العلامة ابن العربي – أن يكون مالك قال ذلك نصاً أو تخريجاً". انتهى.
قلت: وهذا كلّه كلام د. الفرت بحروفه!!
قال د. الفرت (ص 218 - 219): "والقرطبي ينسب نفسه إلى المذهب المالكي، وهو محيط به إحاطة واسعة وبأقوال علمائه، وما صحّ عن الإمام مالك وما لا يصح مما يُنسب إليه خطأ، وبهذا يعدّ تفسير القرطبي مصدراً هاماً من مصادر تحرير المذهب المالكي، ودليل ذلك ما جاء به في تفسير قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾.