تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونرى القرطبي أحياناً أخرى يفاضل بين آراء المالكية ويختار منها، ونقتصر على ذلك بالمثال التالي:

د- في قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ تحدّث في المسألة الرابعة عشرة عن حكم التكبير في الصلاة، ونقل عن أصبغ بن الفرج وعبدالله بن عبدالحكم أنهما قالا: ليس على من لم يكبّر في الصلاة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبّر تكبيرة الإحرام، فإن تركه ساهياً سجد للسهو، فإن لم يسجد فلا شيء عليه، ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامداً لأنه سنة من سنن الصلاة، فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه، وصلاته ماضية، ثم نقل عن ابن القاسم خلاف ذلك، وردّه ورجّح رأي ابن عبدالحكم وأصبغ بقوله: ((قلت: هذا هو الصحيح الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن القاسم". انتهى.

قلت: وهذا كلّه كلام د. القصبي بحروفه!!

قال د. القصبي زلط (ص 319 - 323): "وللقرطبي منهج في ذكر الأحكام يتضح فيما يأتي:

الفقه المالكي:

كان القرطبي يقتصر أحياناً على آراء الإمام مالك، وبعض فقهاء المالكية، وتارةً يكتفي بالعرض والتوجيه لهذه الآراء دون التعقيب عليها أو مناقشتها ولعله في تلك الحالة يكون قد ارتضاها.

ففي قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ يقول في المسألة الحادية عشرة: ((والعدوّ الحاصر لا يخلو أن يتيقّن بقاؤه واستيطانه. لقوّته وكثرته، أولا. فإن كان الأول حلّ المحصر مكانه من ساعته، وإن كان الثاني وهو مما يُرجى زواله. فهذا لا يكون محصوراً حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إنْ زال العدو لا يدرك فيه الحج، فيحلّ حينئذ عند ابن القاسم وابن الماجشون، وقال أشهب: لا يحلّ من حصر عن الحج بعدوٍّ حتى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة. وجه قول ابن القاسم: أن هذا وقت يأس من إكمال حجه لعدوه غالب، فجاز له أن يحل فيه. ووجه قول أشهب: أن عليه أن يأتي من حكم الإحرام بما يمكنه، والتزامه إلى يوم النحر الوقت الذي يجوز للحاج التحلل بما يمكنه الإتيان به، فكان ذلك عليه)) [توثيق حاشية: تفسير القرطبي ج 2 ص 377 وما بعدها] ".

وفي قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفاتٍ فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ تحدّث في المسألة الثانية عشرة عن سُنية الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بعد الدفع من عرفات ثم قال في المسألة الثالثة عشرة: ((ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق، فقد قال ابن حبيب: لا صلاة عن عجل إلى المزدلفة قبل مغيب الشفق، لا لإمامٍ ولا غيره حتى يغيب الشفق، لقوله عليه السلام: ((الصلاة أمامك)) ثم صلاها بالمزدلفة بعد مغيب الشفق؛ ومن جهة المعنى أن وقت هذه الصلاة بعد مغيب الشفق، فلا يجوز أن يؤتى بها قبله، ولو كان لها وقت قبل مغيب الشفق لما أخرت عنه)).

ويقول في المسألة الثالثة عشرة: ((وأما من أتى عرفة بعد دفع الإمام، أو كان له عذر ممن وقف مع الإمام، فقد قال ابن الموَّاز: مَن وقف بعد الإمام فليصل كل صلاة لوقتها، وقال مالك فيمن كان له عذر يمنعه أن يكون مع الإمام: إنه يصلي إذا غاب الشفق الصلاتين يجمع بينهما، وقال ابن القاسم فيمن وقف بعد الإمام: إن رجا أن يأتي المزدلفة ثلث الليل فليؤخر الصلاة حتى يأتي المزدلفة، وإلا صلّى كل صلاة لوقتها. فجعل ابن الموّاز تأخير الصلاة إلى المزدلفة لمن وقف مع الإمام دون غيره، وراعى مالك الوقت دون المكان، واعتبر ابن القاسم الوقت المختار للصلاة والمكان، فإذا خاف فَوات الوقت المختار بَطلَ اعتبار المكان، وكان مراعاة وقتها المختار أولى)) [توثيق حاشية: تفسير القرطبي ج 2 ص 422].

ومن الواضح من هذين النصين أن القرطبي قد اقتصر على الفقه المالكي، فنقل آراء الإمام مالك، وآراء ابن المواز وابن الماجشون، وأشهب – وكل هؤلاء من فقهاء المالكية، بل ومن كبارهم – ولم يعقّب على هذه الآراء ولم يناقشها لأنه قد ارتضاها.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٢٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٢٨٧