قلت: وثّق مشهور من كتاب الحركة الفكرية، والذي لا شك فيه أنه لم يطلع عليه!! وإنما أخذه من كتاب الدكتور الفرت، بل إن ما قبله هو كلام الدكتور أيضاً.
قال د. الفرت (ص 75): "وأحبّ أن أسجل أن اجتهاد الإمام القرطبي كان اجتهاداً في إطار ذلك النوع السائد من الاجتهاد في عصره؛ إذ "إنّ فقهاء مصر في عصر الدولتين الأيوبية والمملوكية كانوا مجتهدي مذهب، بمعنى أنه لم يظهر فيهم صاحب مذهب جديد مخالف للمذاهب الأربعة المعروفة. ومع هذا فمن الإنصاف لفقهاء العصرين بمصر والشام أن يُقال: إنهم كانوا يتطلعون إلى نوع من الاستقلال في الفقه أولى به أن يسمى سعة في التصرّف" [توثيق حاشية: د. عبداللطيف حمزة: الحركة الفكرية ص 201 - 202] ". انتهى.
64 - قال مشهور (ص 168 - 171) تحت عنوان: (مالكيّته): "وتتمثل مالكيّة صاحبنا القرطبي في أمور:
الأول: اقتصاره أحياناً على آراء الإمام مالك، وبعض فقهاء المالكية، وتارةً يكتفي بالعرض والتوجيه لهذه الآراء دون التعقيب عليها أو مناقشتها، ولعله في تلك الحالة يكون قد ارتضاها، ومن الأمثلة على ذلك:
أ- في قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ يقول في المسألة الحادية عشرة: ((والعدوّ الحاصر لا يخلو أن يتيقّن بقاؤه واستيطانه؛ لقوّته وكثرته، أو لا: فإن كان الأول حلّ المحصر مكانه من ساعته، وإن كان الثاني – وهو مما يُرجى زواله – فهذا لا يكون محصوراً حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إنْ زال العدو لا يدرك فيه الحج، فيحلّ حينئذ عند ابن القاسم وابن الماجشون، وقال أشهب: لا يحلّ من حصر عن الحج بعدوٍّ حتى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة. وجه قول ابن القاسم: أن هذا وقت يأس من إكمال حجه لعدوه غالب، فجاز له أن يحل فيه. ووجه قول أشهب: أن عليه أن يأتي من حكم الإحرام بما يمكنه، والتزامه إلى يوم النحر الوقت الذي يجوز للحاج التحلل بما يمكنه الإتيان به، فكان ذلك عليه)) [توثيق حاشية: الجامع لأحكام القرآن: (2/ 377)] ".
ب- وفي قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفاتٍ فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ تحدّث في المسألة الثانية عشرة عن سُنية الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بعد الدفع من عرفات، ثم قال في المسألة الثالثة عشرة: ((ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق، فقد قال ابن حبيب: لا صلاة عن عجل إلى المزدلفة قبل مغيب الشفق، لا لإمامٍ ولا غيره حتى يغيب الشفق، لقوله عليه السلام: ((الصلاة أمامك)) ثم صلاها بالمزدلفة بعد مغيب الشفق؛ ومن جهة المعنى أن وقت هذه الصلاة بعد مغيب الشفق، فلا يجوز أن يؤتى بها قبله، ولو كان لها وقت قبل مغيب الشفق لما أخرت عنه)) [توثيق حاشية: الجامع لأحكام القرآن: (2/ 422)] ".
جـ- ويقول في المسألة الثالثة عشرة: ((وأما من أتى عرفة بعد دفع الإمام، أو كان له عذر ممن وقف مع الإمام، فقد قال ابن الموَّاز: مَن وقف بعد الإمام فليصل كل صلاة لوقتها، وقال مالك فيمن كان له عذر يمنعه أن يكون مع الإمام: إنه يصلي إذا غاب الشفق الصلاتين يجمع بينهما، وقال ابن القاسم فيمن وقف بعد الإمام: إن رجا أن يأتي المزدلفة ثلث الليل فليؤخر الصلاة حتى يأتي المزدلفة، وإلا صلّى كل صلاة لوقتها. فجعل ابن الموّاز تأخير الصلاة إلى المزدلفة لمن وقف مع الإمام دون غيره، وراعى مالك الوقت دون المكان، واعتبر ابن القاسم الوقت المختار للصلاة والمكان، فإذا خاف فَوات الوقت المختار بَطلَ اعتبار المكان، وكان مراعاة وقتها المختار أولى)) [توثيق حاشية: الجامع لأحكام القرآن: (2/ 422)] ".
ومن الواضح من الأمثلة السابقة أن القرطبي قد اقتصر على الفقه المالكي، فنقل آراء الإمام مالك، وآراء ابن المواز وابن الماجشون، وأشهب – وكل هؤلاء من فقهاء المالكية، بل من كبارهم – ولم يعقّب على هذه الآراء ولم يناقشها لأنه قد ارتضاها.