قلت: مَنْ ينظر إلى هذا الكلام لا يتردد في أنه لمشهور حسن، وخاصة وهو يقول: "وأنا أذكر"، وقوله أيضاً: "نستطيع أن نقول"، ولكن يُشكل عليه توثيقه من كتاب ((التعليقات الحافلة))! فهل استفاد (مشهور) من ذلك الكتاب، أم ماذا؟
وعند الرجوع للكتاب وجدت أن هذا الكلام كلّه بحروفه هو للشيخ (عبدالفتاح أبو غدة)، فسرقه مشهور ونسبه إليه دون أدنى إشارة، ودلّس ولبّس كعادته بذكر المرجع في نهاية الكلام دون أن يبيّن أن هذا كلام الشيخ (أبو غدة)!!
قال الشيخ عبدالفتاح أبو غدة في ((التعليقات الحافلة)) (ص 136 - 139): "والمفسر القرطبي رحمه الله تعالى إذ نبّه في ((تفسيره)) وفي كتابه: ((التذكار)) على وضع الأحاديث التي ذكروها في فضائل السور، وحذّر من الاغترار بها: تساهل هو رحمه الله في إيراد بعض الأحاديث المنكرة والموضوعة في مواضع من ((تفسيره))، وخالف عادته في إيراد الأحاديث معزوَّة إلى مصادرها ومُخرِّجيها في أغلب ما يورده، وأنا أذكر بعض الأمثلة على ذلك:
1 - قال عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فأزلهما الشيطان عنها ... ﴾: (1/ 315): (( ... ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب الشجاعة، ولو على قتل حية)). انتهى. وهو بعضُ حديثٍ رواه ابن عدي في الكامل عن الزبير مرفوعاً، وقد حكم العلماء بوضعه كما في ((اللآلئ المصنوعة)) للسيوطي (2/ 91)، و ((تنزيه الشريعة)) لابن عراق (2/ 129)، و ((الفوائد المجموعة)) للشوكاني (ص 76) ...
2 - وقال في تفسير قوله تعالى في سورة النساء ...
3 - وذكر عند تفسير قوله تعالى من سورة الأعراف: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ... ﴾: (7/ 192) قصة جرت بين علي بن الحسين وطبيب نصراني، وفي آخرها يقول علي بن الحسين: ((وجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطبَّ في ألفاظ يسيرة، قال – أي النصراني -: ما هي؟ قال: ((المعدة بيت الأدواء، والحِمية رأس كل دواء، وأعطِ كل جسد ما عوّدته)). فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبّاً)). قلت: هذا الحديث موضوع، ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام طبيب العرب الحارث بن كلدة، كما نبّه عليه العلماء المحدّثون في كتب (الموضوعات)، فكان على المفسر القرطبي رحمه الله تعالى أن يشير إلى ذلك إذ أورد القصة. وقد نبّه المفسّر الآلوسي على وضع هذا الحديث في ((تفسيره)) فأحسن صُنعاً.
4 - وقال عند تفسير قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّقنّ ولنكوننَّ من الصالحين﴾: ((روى علي بن يزيد – ووقع في المطبوعة محرفاً إلى زيد – عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة ابن حاطب الأنصاري (فسمّاه) قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال عليه السلام: ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه)). ثم عاد ثانياً ... الحديث، وهو مشهور)). قلت: علي بن يزيد منكر الحديث، قاله البخاري، وقال أيضاً: كل من قلت فيه: منكر الحديث فلا تحلّ الرواية عنه، كما في ((ميزان الاعتدال)) للذهبي: (1/ 5 و 412) و ((الرفع والتكميل)) للكنوي: (ص 81 و 97). ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ((الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف)): (ص 77) بعد أن ساق السند المذكور: ((وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جداً)). قلت: فقول المفسر القرطبي هنا (وهو مشهور): يعني أنه مشهور عند القصاص والمفسرين النقلة، ولا يعني المشهور باصطلاح المحدثين، فإن الحديث ضعيف جداً لا يصح الالتفات إليه ولا الاستشهاد به.
وهكذا تجد المفسر القرطبي يورد في ((تفسيره)) بعض أحاديث غريبة، أو ضعيفة، أو منكرة، أو موضوعة، دون أن ينبه عليها ...
والذي يبدو لي من النظر في ((تفسيره)) أن عادته رحمه الله تعالى في رواية الأحاديث الصحيحة أن ينسبها إلى مصدرها أو مخرجها، فيقول – مثلاً –: روى البخاري، أو روى مسلم، أو روى أبو داود، أو روى الترمذي، أو في مصنف أبي داود، أو في سنن ابن ماجه، وهكذا. وأن عادته في رواية الأحاديث التي لا يستوثق من صحتها: أن يُغْفِل تسمية مصدرها أو مخرجها، فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم كذا. كما صنع في الأمثلة السابقة. وكما صنع في الخبر الذي ساقه عند تفسير قوله تعالى في سورة يونس ﴿قدم صدق﴾ (8/ 306) فقال: ((وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هي شفاعتي، توسّلون بي إلى ربكم)) ولم يذكر لهذا الخبر مصدراً ولا مخرجاً. وكما صنع في تفسير ﴿الحمد لله﴾ (1/ 134) من سورة الفاتحة، فقال: ((ويُذكر الحمد بمعنى الرضا، قال عليه السلام: ((أحمد إليكم غَسْلَ الإحليل))، أي: أرضاه لكم)). ولم يذكر أيضاً مصدر الخبر، ولا مخرجه. والمعروف أنه من كلام ابن عباس.