وذكر المراكشي في ترجمة إمامنا القرطبي: أنه ((رحل إلى المشرق، وروى هنالك عن أبي العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي))، وكان ذلك في الإسكندرية، كما قدمنا من كلام القرطبي نفسه، فلا داعي للتردد في ذلك، بحجة أن أبا العباس قد حدّث بغيرها، كما فعل الدكتور محمود قصبي زلط. [توثيق حاشية: في كتابه: القرطبي ومنهجه في التفسير: 28].
وقد ظهر أثر هذا الشيخ – وهو المقدم في علم الحديث – في عناية القرطبي بالأحاديث النبوية، وتخريجها، وشرح غريبها، وحلّ مشكلها، وضبط مشتبهها، ومع هذا فإنه تعقبه في بعض المواطن، وهذا يدل على إنصافه وعدم تعصبه كما سيأتي بيانه في الفصل الخامس". انتهى.
قلت: وهذا كلّه أيضاً من تحرير الدكتور الفرت، وقد وقع (مشهور) في خطأ شنيع لعدم فهمه كلام ابن فرحون!! ولو أنه اقتصر على فهم الدكتور الفرت لما وقع في ذلك!! وحاول هنا تعقّب الدكتور قصبي زلط! سبحان الله! يسرق منه ويحاول تعقبه!!!!
قال د. الفرت (ص 53 - 54): "ب- شيوخه بمصر:
استقر الإمام القرطبي بمنية بني خصيب في صعيد مصر، حتى توفي بها، وقد مرّ بالإسكندرية والقاهرة في الطريق إليها، ولا شك أنه تلمذ لشيوخ الإسكندرية والقاهرة آنذاك، وكان من أبرز هؤلاء:
1 - أبو العباس القرطبي: (578 - 656 هـ) (1182 - 1258 م)
وهو أبو العباس ضياء الدين أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي، وكان هذا الشيخ من أعيان فقهاء المالكية.
وقد ولد أبو العباس بقرطبة، ورحل مع أبيه من الأندلس في سن الصغر، فسمع كثيراً بمكة والمدينة والقدس وغيرها من البلاد، وسمع الحديث من مشايخ المغرب .. ثم نزل الإسكندرية فاستوطنها ودرس بها، وكان يشار إليه بالبلاغة والعلم، والتقدم في علم الحديث، والفضل التام، وكان بارعاً في الفقه والعربية، وأخذ عنه الناس من أهل المشرق والمغرب، وانتفعوا بكتبه وقد ذكره الإمام القرطبي (أبو عبدالله محمد بن أحمد القرطبي) في شيوخه وحدث عنه.
ومن أهم كتب أبي العباس القرطبي ما يلي:
1 - المفهم في شرح مسلم، وهو كتاب أحسن فيه، وأجاد، وفيه أشياء حسنة مفيدة محررة.
2 - مختصر الصحيحين: قال الدمياطي: واختصر الصحيحين وشرحهما.
وقد تلقى القرطبي المفسر العلم على يدي أبي العباس القرطبي بالإسكندرية؛ إذ لا يمكن أن يكون قد تم له بقرطبة حيث رحل أبو العباس عنها مع والده وهو صغير السن كما ذكر "ابن فرحون"، فضلاً عن أن المراكشي قال عن القرطبي المفسر: "ورحل إلى المشرق وروى هناك عن أبي العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي".
وهنا يمكن القول: لعل الأمر قد التبس على أستاذنا الدكتور أحمد بدوي حين ذكر أن القرطبي المفسر "ولد بقرطبة، وتلقّى بها ثقافة واسعة في الفقه والنحو والقراءات، وسمع من أبي العباس أحمد القرطبي بعض كتاب "المفهم في شرح مسلم" ثم وفد إلى مصر كما وفد غيره من علماء الأندلس"، وواضح أن كلامه يوحي بأن القرطبي المفسر تلقى عن أبي العباس القرطبي أولاً، ثم وفد إلى مصر – وفي هذا مخالفة للواقع الذي أيدته المصادر التاريخية ورواة التاريخ.
ومن هنا يمكن القول: إن القرطبي المفسر قد مكث فترة غير قصيرة بالإسكندرية يتلقى العلم فيها، وقد ظهر أثر هذا الشيخ – وهو المقدم في علم الحديث – في عناية القرطبي بالأحاديث النبوية، وتخريجها في كتبه وبخاصة في التفسير، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل" [توثيق حاشية: انظر ترجمته: ابن فرحون: الديباج ص 68 - 7 - . والمقري: نفح الطيب ج 2 ص 165. والمراكشي: الذيل والتكملة، السفر الخامس ص 585. وابن كثير: البداية والنهاية ج 13 ص 213. وابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ج 7 ص 19. و د. أحمد بدوي: الحياة العقلية ص 117. والسيوطي: حسن المحاضرة ج 1 ص 457. وابن العماد: شذرات الذهب ج 5 ص 273، 274] انتهى.