وماذا فعل مشهور هنا؟! أتى بكلام الدكتور الفرت بحروفه (دون أن يشير إلى ذلك)! ثم أتى بفقرة من كلام الدكتور القصبي زلط!
قال د. الفرت (ص 63 - 64): "وحسبنا في بيان ما سبق من صفات للإمام القرطبي ما أوردته كتب التراجم، وسير الأعلام؛ إذ جاء فيها أن القرطبي "كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف" وأنه "اطرح التكلّف وكان يمشي بثوبٍ واحدٍ، وعلى رأسه طاقيّة" [توثيق حاشية: انظر: ابن فرحون: الديباج المذهب: ص 137. والمقري: نفح الطيب ج 2 ص 409. ومخلوف: شجرة النور الزكية ص 197].
ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن الرجل كان بمظهره هذا مثل جُهّال المتصوفة – على حدّ تعبيره – الذين يعمدون إلى لبس الخشن من الثياب أو المرقّعات، ثم لا يخلعونها عن أجسادهم حتى تبلى، إذ نقرأ له ما يدفع هذا الوهم، فقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ قال: إن التقوى خير لباس، قال ابن عباس: هو العمل الصالح ... وقيل: "لباس التقوى": لبس الصوف والخشن من الثياب مما يتواضع به لله تعالى، ويتعبد له خير من غيره ... وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله، وقيل: هو استشعار تقوى الله (تعالى) فيما أمر به ونهى عنه. قلت: وهو الصحيح، وإليه يرجع قول ابن عباس وعروة .. ومن قال: إنه لبس الخشن من الثياب فدعوى، فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى" [توثيق حاشية: تفسير القرطبي: المسألة الرابعة في تفسير الآية السابقة ج 7 ص 184، 185].
ثم فسّر الزينة في قوله تعالى: ﴿قل من حرّم زينة الله ... ﴾ بأنها المَلبس الحسن إذا قدر عليه صاحبه، وأن الآية دلّت على لباس الرفيع من الثياب والتجمّل بها في الجمع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان، ثم ذكر بعض العلماء والفضلاء الذين كانوا يلبسون أجود الثياب وأغلاها، مثل: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وتميم الداري، ومالك ابن دينار، وعقّب على ذلك بقوله: "أين هذا ممن يرغب عنه، ويؤثر لباس الخشن من الكتّان والصوف من الثياب، ويقول: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ هيهات! أترى مَنْ ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا والله! بل هم أهل التقوى، وأولو المعرفة والنُّهى، وغيرهم أهل دعوى، وقلوبهم خالية من التقوى". [توثيق حاشية: تفسير القرطبي: المسألتان 1، 2 من تفسير الآية 32: الأعراف ج 7 ص 195، 196].
إن هذا الكلام الذي ساقه القرطبي في تفسير الزينة واللباس الحسن يتّسق مع ما عُرف من الأندلسيين بعامّة كما سبق بيانه في صدر هذا الفصل من أنهم "بغداديون في نظافتهم وظرفهم"، ويدل في الوقت نفسه على تفهم هذا العالم الجليل لأصول دينه ... ". انتهى.
وكان الذي قاله في صدر هذا الفصل وأدخله (مشهور) هنا، هو ما قاله (ص 61): "ويكاد "ابن غالب" يصف الأندلسيين بأنهم حازوا محاسن أهل الأرض جميعاً؛ إذ يقول في رسالته "فرحة الأنفس": "وأهل الأندلس عرب في الأنساب والعزّة والأنفة، وعلو الهمم وفصاحة الألسن، وطيب النفوس .. هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم، وحبهم فيها، وضبطهم لها، وروايتهم. بغداديون في نظافتهم وظرفهم ورقة أخلاقهم، ونباهتهم وذكائهم، وحُسن نظرهم، وجودة قرائحهم، ولطافة أذهانهم، وحدّة أفكارهم ونفوذ أفكارهم". [توثيق حاشية: المقري: نفح الطيب ج 4 ص 146. وجودت الركابي: في الأدب الأندلسي ص 44].
وأما النصّ الثاني الذي ذكره (مشهور) للمقري فإنه أتى به من كتاب الدكتور زلط وتعليقه عليه.
قال د. القصبي زلط (ص 36): "لقد حيرتني هذه العبارة مع ما فهمته من موقف القرطبي في الآيتين السابقتين. ولكني وقفت على نص يزيل هذا الغموض والحيرة. يقول المقّري: ((وأهل الأندلس أشدّ خلق الله اعتناءً بنظافة ما يلبسون وما يفرشون وغير ذلك مما يتعلق بهم، ومنهم من لا يكون عنده ما يقوته يومه فيطويه صائماً ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها)) [توثيق حاشية: نفح الطيب للمقري ج 1 ص 104].