ثُمّ قال (ص 53 - 55) تحت عنوان: (بساطته وتواضعه): "ومن مظاهر بساطته وتواضعه: ما وصفته كتب التراجم من أنه ((كان طارحَ التكلّف، يمشي بثوبٍ واحدٍ، وعلى رأسه طاقيّة)) [توثيق حاشية: الديباج المذهب: 317، ونفح الطيب: 2/ 409، وطبقات المفسرين: 2/ 66 للداودي].
ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن الرجل كان بمظهره هذا مثل جُهّال المتصوّفة – على حدّ تعبيره – الذين يعمدون إلى لبس الخشن من الثياب أو المرقّعات، ثم لا يخلعونها عن أجسادهم حتى تبلى! إذ نقرأ له ما يدفع هذا الوهم، فقال في تفسير قول الله سبحانه: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ قال: إنه قيل في لباس التقوى: ((لبس الصوف والخشن من الثياب عما يتواضع به لله تعالى، ويتعبد له، خير من غيره))، ثم قال: ((وقيل هو استشعار تقوى الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه)) وصوّب هذا القول الأخير، وعدّل الأول، فقال: ((قلت: وهو الصحيح، وإليه يرجع قول ابن عباس وعروة))، وقال: ((ومن قال: إنه لبس الخشن من الثياب فإنه أقرب إلى التواضع وترك الرعونات فدعوى، فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى)) [توثيق حاشية: الجامع لأحكام القرآن: 7/ 185].
ثم فسّر الزينة في قوله تعالى: ﴿قل من حرّم زينة الله ... ﴾ بأنها المَلبس الحسن إذا قدر عليه صاحبه، وأن الآية دلّت على لباس الرفيع من الثياب، والتجمّل بها في الجمع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان، ثم ذكر بعض العلماء والفضلاء الذين كانوا يلبسون أجود الثياب وأغلاها، مثل: علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، وتميم الداري، ومالك بن دينار، وعقّب على ذلك بقوله: ((أين هذا ممن يرغب عنه، ويؤثر لباس الخشن من الكتّان والصوف من الثياب، ويقول: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ هيهات!! أترى مَنْ ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا والله! بل هم أهل التقوى، وأولو المعرفة والنُّهى، وغيرهم أهل دعوى، وقلوبهم خالية من التقوى)) [توثيق حاشية: الجامع لأحكام القرآن: 7/ 196].
إن هذا الكلام الذي ساقه القرطبي في تفسير الزينة واللباس الحسن يتّسق مع ما عُرف من الأندلسيين بعامّة، فقد وصفهم ابن غالب في رسالته: ((فرحة الأنفس)) وكاد أن يقول بأنهم حازوا محاسن أهل الأرض جميعاً، فقال: ((وأهل الأندلس عرب في الأنساب والعزّة والأنفة، وعلو الهمم، وفصاحة الألسن، وطيب النفوس، هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم، وحبهم فيها، وضبطهم لها، وروايتهم. بغداديون في نظافتهم وظرفهم ورقة أخلاقهم، ونباهتهم، وذكائهم، وحُسن نظرهم، وجودة قرائحهم، ولطافة أذهانهم، وحدّة أفكارهم، ونفوذ أفكارهم)) [توثيق حاشية: نفح الطيب: 4/ 104].
وقال المقّري في أهل الأندلس: ((وأهل الأندلس أشدّ خلق الله اعتناءً بنظافة ما يلبسون، وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، ومنهم من لا يكون عنده ما يقوته يومه فيطويه صائماً، ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها)) [توثيق حاشية: نفح الطيب: 1/ 104].
فهذان النّصان يصوران لنا الأندلسي رجلاً يبالغ في العناية بمظهره مبالغة تجعله يطوي النهار صائماً وعارياً في بيته، ولا يخرج على الناس بهيئةٍ مستقبحةٍ.
أما القرطبي فقد ملكت عليه الآخرة أقطار نفسه، فكان يعنى بمظهره، ولكنه لم يكن يبالغ في ذلك على هذه الصورة، كما هي عادة الأندلسيين، ومن هنا قال المؤرخون عنه: ((وكان طارحٍ التكلف))، فهذه العبارة لا تعطي سوى ذلك، ولا تعطي أبداً أنه كان رثّ الهيئة، مهلهل الثياب، فإن هذا ليس من الدين في شيء. [توثيق حاشية: القرطبي ومنهجه في التفسير: 36]. انتهى.
قلت: هكذا تكون السرقة!!! فمن عادة (مشهور) أنه يسرق كلام أحد أهل العلم فينقله بتمامه على أنه كلامه هو! ثم يأتي بكلامٍ لآخر، ثم يوثّق اسم الكتاب الأخير!! دون أن يبيّن هل أخذ كلامه تامّاً أم أنه أخذ بعضه أو استفاد منه؟!! ومن خلال تتبعه فإن ما ينقله يكون لذلك الشخص الذي أخذه عنه بحروفه، والأمانة العلمية (والخُلقية) تقتضي أن يضع ذلك بين علامتي تنصيص مصدراً ذلك بقوله: "قال فلان"!!!! ولكنه ظنّ أن لن يتابعه على ذلك أحد!!!