فلم يذكر مشهور أن هذا من الإمام الذهبي، ومما يدلّ على ذلك أن عبارة مشهور التي تلت هذا الكلام: "إذ كان باذلاً للذهب في استجلاب الكتب". إنما هي عبارة الذهبي رحمه الله في الموضع نفسه من ((السيّر)).
17 - قال مشهور (ص 37): "سابعاً: بقي الإمام القرطبي بقرطبة حتى سقوطها، وخرج منها – بناءً على ما رجحناه – سنة (633 هـ)، ثم انتقل منها إلى مصر، والتي كانت محطاً لكثير من علماء المسلمين على اختلاف أقطارهم وأجناسهم، إذ وجدوا فيها أمناً فقدوه في ديارهم، ولذلك وجدنا أن كثيراً من علماء الأندلس النابهين وفدوا إلى مصر في هذه المدة العصيبة من تاريخهم، وحسبنا أن نذكر منهم. (الطُّرطُوشي) و (الشاطبي) و (ابن مالك) وإمامنا (القرطبي). ولم تسعفنا المصادر عن تجولات القرطبي داخل الأندلس، وهل تنقل داخلها، وأخذ عن غير شيوخ (قرطبة)، أم أن توفّر العلماء والمشايخ المبرزين فيها، مع عنائه وكدّه في عمله، لم يسنح له إلا البقاء فيها، والأخذ من شيوخها" انتهى.
قلت: هل أنت الذي رجّحت هذا يا مشهور؟ أم هو الدكتور الفرت؟!
قال الدكتور الفرت (ص 42 - 43): "عاش الإمام أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري الأنصاري القرطبي الحقبة الأولى من عمره بحاضرة الأندلس "قرطبة"، حتى سقطت سنة (633 هـ)، ثم وفد إلى مصر ...
وانطلاقاً من أن رحلته إلى مصر هي أهم رحلاته التي يمكن أن يكون لها أثر فعال في حياته العلمية – فإنه يحق لنا أن نتسائل: لماذا اختار القرطبي "مصر" ملجأ له وموئلاً بعد أن غادر "الأندلس"؟
ولعل الإجابة عن هذا السؤال تكمن في أن "مصر" – في عهد الأيوبيين والمماليك، العهد الذي وفد فيه القرطبي إلى مصر – كانت محطاً لكثير من علماء المسلمين على اختلاف أقطارهم وأجناسهم؛ إذ وجدوا فيها أمناً فقدوه في ديارهم، ولذلك وجدنا أن كثيراً من علماء الأندلس النابهين وفدوا إلى مصر في هذه الفترة العصيبة من تاريخهم، وحسبنا أن نذكر منهم الطُّرطُوشي والشاطبي وابن مالك والإمام القرطبي المفسر. [توثيق حاشية: انظر: د. عبداللطيف حمزة: الحركة الفكرية ص 20. و د. أحمد بدوي: الحياة العقلية ص 10].
ويحق – كذلك – لمن يتناول حياة القرطبي بالدراسة أن يسأل أكان هذا الإمام الجليل يرحل إلى بلاد مختلفة بالأندلس أو بمصر طلباً للعلم أم لا؟ أما المصادر التاريخية فلم تذكر أنه غادر قرطبة إلى غيرها من بلاد الأندلس" انتهى.
تنبيه: ذكر مشهور كلمة "تجولات" وهذا خطأ لغوي! فلا يُقال في اللغة: "تجوُّلات"! وإنما هي: "تَجْوَالات". قال ابن منظور: "وجوَّلت البلاد تجويلاً أي: جُلْتُ فيها كثيراً، وجوَّلَ في البلاد، أي: طوَّف. قال ابن سيده: وجوَّلَ تَجْوَالاً".
18 - قال مشهور (ص 37 - 41) تحت عنوان: (رحلات الإمام القرطبي): "استقر الإمام القرطبي بمنية بني خصيب (المنيا)، ويمرّ الآتي من قرطبة قبل الوصول إليها بعدة مدن مصرية، فلعل المدن الآتية مر بها القرطبي أولاً، واستقر فيها برهة من الزمن، ثم انتقل إلى مستقره الأخير، أو أنه كان يرحل في طلب العلم من مستقره، ثم يرجع إليه، وهذا ما نرجحه، لورود الخبر بشأن سفره وتنقله إلى الفيّوم، ونخلص من خلال تتبعنا لمشايخه إلى أنه رحل إلى المدن المصرية التالية:
- الإسكندرية: وهي أول بلد عربي يدخله – حينذاك – الوافد من المغرب العربي والأندلس، وقد مكث بها أبو عبدالله مدة من الزمن، وأخذ بها من أبي العباس القرطبي، وأبي محمد ابن رَوَاج، وأبي محمد عبدالمعطي اللخمي، وقد صرح القرطبي بذلك، بل كان يحدد مكان الأخذ عنهم فيها، فقال مثلاً عن ابن رواج: ((أنبأناه ... بمسجده بثغر الإسكندرية حماه الله)).
- الفيّوم: من المدن التي سافر إليها برفقة القرافي، فذكر الصفدي أن الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس اليعمري، قال: ((ترافق القرطبي المفسّر، والشيخ شهاب الدين القرافي في السفر إلى الفيوم، وكل منهما شيخ فنه في عصره، ... ))، ولم تسعفنا كتب التراجم بتفصيلات عن هذه الرحلة، إلا أننا نستطيع أن نقرر هنا أنها كانت رحلة علمية، إذ حصلت إفادة كل منهما بصاحبه، بل أحال القرافي من أراد أخبار (النفخ في الصور) يوم القيامة إلى كتاب القرطبي ((التذكرة))، فقال: ((من أراد استيعابه، فعليه به)). وهذا يدلل على أن لقياه، كان بعد تأليف ((التذكرة))، وكان تأليفه لها بعد سنة (658 هـ)، ومن المحتمل أن تكون اللقيا بينهما متعددة، حصلت غير مرة، ومن بين ذلك رحلتاهما معاً إلى الفيوم.