تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد احتفظت قرطبة بشهرة المجد في طلب العلم حتى قال عنها "ابن رشد": "عندما يُراد بيع كتب عالِم مات في "إشبيلية" فإنها تنقل إلى قرطبة"، وقال الحجازي: "كانت قرطبة قبّة الإسلام ومجتمع أعلام الأنام، وهي من الأندلس بمكان الرأس من الجسد"، وقد وُصفت – كذلك – بأنها لم تخلُ من أعلام العلماء، وسادات الفضلاء.

وعندما كتب الأستاذ محمد كرد علي عن "قرطبة"، قال: "إنها أمست عاصمة الخلافة الأندلسية. وغدت عاصمة علم وصناعة، وفن وتجارة، وفي ضاحيتها ثلاثة آلاف قرية، في كل قرية منبر وفقيه، وكان بالربض الشرقي من "قرطبة" مئة وسبعون امرأة كلهنّ يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، هذا من ناحية من نواحيها، فكيف بجميع جهاتها؟! [توثيق حاشية: انظر: .. ومحمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية ص 262 - 263، 265 .. ].

ثُم قال: "ففي هذا الجو الذي تميزت به "قرطبة" نشأ الإمام القرطبي (رحمه الله) وبدهي أن تكون نشأة مثل هذا العالم الفاضل نشأة الفتى النابه الطلعة، الذي يُقبل على مجالس العلم ومحافله التي كانت "قرطبة" تعجّ بها آنذاك – كما سبق سواء أكانت حلقات العلم هذه بالمدارس أم في المساجد رغبة في أن ينهل من موردها العذب في العلوم الدينية والعربية التي حاز فيها قصب السبق، وظهر أثر ذلك جلياً في تفسيره العظيم "الجامع لأحكام القرآن .. ".

ويعنينا كذلك ونحن نعرض لنشأة هذا المفسر الكبير أن نلقي الضوء على البرامج التعليمية لأطفال المجتمع بالأندلس في العصر الذي عاش فيه، ونحاول أن نتعرف على مدى قدرة هذا العالِم الجليل من الناحية العقلية منذ نشأته.

لقد رأى الأندلسيون أنه "ينبغي أن ينشأ الطفل على تعليم العربية، ومقاطع الكلام، ويحفظ أشعار العرب وأمثالها". [توثيق حاشية: ابن العربي: في كتابه "سراج المريدين" نقلاً عن "آراء ابن العربي الكلامية" ج 1 ص 232].

وقد قال أبو بكر ابن العربي في كتابه "العواصم من القواسم": "والذي يجب على الوليّ في الصبي المسلم – إذا عقل – أن يلقّنه الإيمان، ويعلمه الكتابة، والحساب، ويُحفظه أشعار العرب العارِبة، ويعلمه العوامل في الإعراب، وشيئاً في التصريف، ثم يحفّظه إذا استقلّ واشتدّ في العشر الثاني كتاب الله. ثم يحفظ أصول سنن الرسول .. ". [توثيق حاشية: عمار طالبي: آراء أبي بكر ابن العربي الكلامية ج 1 ص 235].

وأوصى "ابن العربي" "بألا يخلط في التعليم بين عِلمين. إلا أن يكون الطالب ذا جودة في الفهم، وقوة في النشاط، وقابلية لذلك، وهو الرأي الذي ذهب إليه شيخه الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، لأن العلوم – عنده – مرتبة بحيث إنّ بعضها ممهّد لبعض.

ولعلّ الإمام القرطبي (رضي الله عنه) كان من أولئك الذين اتّسموا بجودة في الفهم، وقوة في النشاط الذهني، إذ إن ما حصّله من معارف مختلفة – ظهر أثرها في تفسيره – يوحي بذلك، ويومئ إلى أنه لا بدّ أن يكون قد بدأ في تلقّيها منذ الصِغر.

ومما يدلّ على نباهة شأن صاحبنا "القرطبي" من حيث تلقيه العلم، وإقباله على فروعه المختلفة ما ذكره التراجمة عنه في هذا الصدد" انتهى.

قلت: فيلاحظ أن (مشهور حسن) قد جمع بعض ما تفرق من كلام الدكتور الفرت، ولم يذكر بعض الكلمات في نقله أو مما غيّره مما وضعت تحته خط، فإذا قال الدكتور الفرت: "الإمام القرطبي" قال مشهور: "إمامنا أبو عبدالله"!!!

وموضع توثيقه من كتاب الدكتور في (ص 36): "القرطبي المفسر: 25"، إنما هو في (ص 35).

وكذلك فإن مشهور حسن قد ذكر أنه كان في مكتبة الحكم الثاني ما لا يقل عن (200,000) مجلد، بينما ذكر د. الفرت: (400,000) مجلد. وما نقله مشهور هو الصواب، وهو إنما أخذه من الإمام الذهبي في ((السير)) (16/ 230) فإنه ذكر في ترجمة الحكم الثاني: "وكان جيّد السيرة ... ذا غرام بالمطالعة وتحصيل الكتب النفيسة الكثيرة حقّها وباطلها بحيثُ إنها قاربتْ نحواً من مئتي ألف سِفْر ... ".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٢٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٢٤٦