وهذه هي طريقة (مشهور) في السرقة، فإنه يوثّق أحياناً من الكتاب الذي سرق منه؛ ليخدع القارئ أنه إذا نقل عن ذلك الكتاب فإنه يذكره!! وهذا نادرٌ جداً عنده، فإنه ينقل صفحات كثيرة بحروفها دون أدنى إشارة، وهكذا فليكن التلبيس والتدليس!!! بل (السرقة)!!
قال الدكتور الفِرت (ص 37 - 39): "ومن هنا يمكن القول: إن القرطبي قد أقبل منذ صغره على العلوم الدينية والعربية إقبال المحبّ لها، المشغوف بها ... وفي النحو وأبوابه، وفي علوم القرآن والقرآءات ... ولست أغرب حين أقول: إن من وصل إلى هذا التميز لا بدّ أن يكون منذ البداية طلعة متفتحاً، مهتماً بالتلقي، مشغوفاً بالعلم، وسأنقل عنه حادثة أوردها في تفسيره تدعم هذه الفكرة وتؤكدها، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ قال القرطبي: ((العدو إذا أصبح قوماً في منزلهم؛ ولم يعلموا به، فقتل منهم، فهل يكون حكمه حكم قتيل المعترك أم حكم سائر الموتى؟ وهذه المسألة وقعت عندنا بقرطبة – أعادها الله -؛ أغار العدو – قصمه الله – صبيحة الثالث من رمضان المعظّم سنة سبع وعشرين وستّ مئة، والناس في أجرانهم على غفلة، فقتل وأسر، وكان من جملة من قتل والدي – رحمه الله – فسألت شيخنا المقرئ الأستاذ أبا جعفر أحمد، المعروف بأبي حجّة، فقال: غسّله، وصلّ عليه، فإن أباك لم يُقتل في المعترك بين الصفين. ثم سألت شيخنا ربيع بن عبدالرحمن ابن أحمد بن ربيع بن أُبيّ، فقال: إن حكمه حكم القتلى في المعترك. ثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن علي بن قُطرال، وحوله جماعة من الفقهاء، فقالوا: غسّله، وكفّنه، ففعلت. ثم بعد ذلك وقفت على المسألة في التبصرة لأبي الحسن اللخمي، وغيرها، ولو كان ذلك قبل ذلك، ما غسّلته، وكنت دفنته بدمه في ثيابه)). [توثيق: تفسير القرطبي، المسألة الخامسة في تفسير الآيتين السابقتين ج 4 ص 272].
ولا يفوتنا أن نخرج من هذه الحادثة التي رواها القرطبي بأكثر من دلالة هي:
1 - أن الإمام القرطبي كان يهتم بالأحكام الدينية، ويتحرّى الدقة في المسائل الفقهية، ويبني تصرفاته العملية على أساس من هذه الأحكام، ولا يستطيع ذلك إلا مَنْ شغل نفسه بالعلم، وربط نفسه بأسبابه.
2 - أنه كان يتلقى العلم عن أكثر من شيخ، ولذلك اتّجه إليهم حين نزلت به ملمّة، احتاج إلى الكشف عن الفُتيا فيها، فسأل أكثر من شيخ، ليتعرّف الرأي الأوفق، والأقوى حجّة، فينفّذه.
3 - أنه كان يُديم النظر في المسائل العلمية، ولا يكتفي في قضايا الأحكام بفتوى سمعها، ولو كانت من شيوخه الأجلاء. ودليل ذلك أنه على الرغم من تنفيذه رأي الغالبية من شيوخه في غسل والده، والصلاة عليه، ظلّ ينقّب ويبحث – على عادته -، حتى وقف على المسألة في التبصرة لأبي الحسن اللخمي، وغيرها.
4 - أن الإمام القرطبي ما كان ليجد بأساً في العدول عن رأيٍ ارتضاه، إذا ثبت له أن هناك رأياً آخر أولى بالاتباع، ولذلك قال حين اطمأن إلى الحكم الذي أورده اللخمي في التبصرة: (( ... ولو كان ذلك قبل ذلك؛ ما غسلته، وكنت دفنته بدمه في ثيابه)) ".
قلت: فأين الأمانة العلمية عند مشهور حسن؟! وقد ذكر الدكتور الفرت نقطة خامسة استفادها من هذه الحادثة، ولكن مشهور حسن لم يذكرها هنا، وإنما أفردها عن هذه من دون أن يعزوَها لكتاب الدكتور الفِرت!! وهي الآتية:
3 - قال مشهور (ص 17): "رابعاً: أنّ القرطبي حين توفي والده (سنة 627 هـ) كان شاباً لأنه تردد على أكثر من شيخ له، وفي ذلك دليل على أنه لم يكن في مستوى علمي يُتيح له أن يقضي في أمر كهذا برأيه، ومن هنا نستطيع الجزم أن أبا عبدالله كان بقرطبة شابّاً، وأنه خرج منها وعمره بين العشرين والخامسة والعشرين فيما نحدس ونظن ونخمّن". انتهى.