تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحسبُ الأمناءِ الشرفاءِ ومَن يُحبُّهم ويُناصرُهم بالحقِّ والعدلِ؛ أن يكونوا حُرّاساً شُرفاءَ للكلمة، يخافون ربَّهم، ويخشون سوءَ الحساب، ويضَعون الأمورَ حيثُ يجبُ أن توضعَ في مواضعِها السليمةِ الأمينة، وأمانةُ الكلمةِ تقضي على أهل العلم بعامّةٍ أن يكونوا شرفاءَ أُمناءَ، يحبسونَ جلَّ ما في صدورهم من الأمانة، تقديراً للعلم، واستحياءً من أن يُنالَ العلمُ على أيديهم أو يَمسَّه شيءٌ من الأذى، وليس للعلمِ من جزاءٍ إلا ما يكون من فطرةِ الحياءِ، التي تُكسى بها حروفُه، وتُستجلَبُ بها طلاوةُ معانيه، وحلاوةُ أفكارِه، وليسَ من عُذرٍ يُحالُ به بين العالِمِ أو طالبِ العلمِ، وبين أن يكون للعلمِ نفاذٌ بأثرِه اليُرضى، ويستجلبُ ما يستجلبُ من مراداتِ العلم وحِكَمِه، إلا أن يكونَ قد نُزعَ منه خُلُقُ الأمانةِ المشوبُ بالحياء.

وما تجوسُ به أقلامُ تلكم الطائفةِ وعقولُها على صفحات الكتبِ والرسائلِ والمقالاتِ، مستبيحةً انتهابَ صنيعِ أقلامِ غيرِها وعقولِها في غير حياءٍ من الخالقِ ولا من المخلوقين، وكأنّي بهؤلاء قد صارت لهم أقلامُ غيرِهم وعقولُهم ملكاً خالصاً جميعها، أعادوا بها ملكَ الأنفسِ التي تُملك رقّاً من آثارِ الجهاد، ذروة سنامِ الإسلام، الذي يُنكرونَه، ولا يرَونه إلا شيئاً عابَه أعداءُ الإسلام فعابوه مثلهم، ثم صار عندهم إرهاباً.

وإنّي واللهِ لناصحٌ أمينٌ لهم، وبخاصةٍ لواحدٍ من فحولِهم، بل أظنُّه هو فحلُ الفحولِ فيهم يَحسبُ نفسَه (أويس القرني)، يُهدِّدُ خصومَه بما أكرمَه الله به (طبعاً كذباً وزوراً)، ويُعلنُ في الناس أنه مجابُ الدعوة، وقد هدَّدني بسهمٍ من سهامِ دعواتِه، وبدهيٌّ أنّ هذا منه من باب التحذيرِ والوعيدِ.

ولا يحسبنَّ واحدٌ أني بمثلِ الذي ذكرتُ أو جهرتُ أعني المنهجَ السلفيَّ الذي بَرِمَ به هذا المدَّعي – أي (أويس القرني الثاني) – الذي لَمّا سُئلَ: لماذا تركتَ الصلاة يوم الجمعة من خلف فلانٍ؟ قال بملءِ شدقَيه: وكيف لا وقد خرجَ على المنهج. لذا، فأرجو أن يجتنبَ السلفيّون كارثةَ "تسونامي" تصيبهم بدعوةٍ من دعواتِه الأُوَيسيّة، أقول ذلك لهم جميعاً: اتّقوا دعوةَ أُويس القرني الجديد الثاني.

فهذا كلامٌ قليلٌ نافعٌ إن شاء الله تعالى، لعلّه ينفع القارئ، ويَفيد منه شيئاً نافعاً، يُجنّبه عاقبة السوءَى، وبخاصةٍ – إن كان من سُذَّجِ السلفيّة – ضراءَ دعوة أويس القرني الثاني. ومعذرةً لأويس القرني الأوّل إنْ أمسكتُ لساني عن الترضِّي عنه من بعد انفلاتِ أسر الأُويس الجديد. وهنا يَحضرُني قولُ المتنبّي ولا بدَّ في كافور رحمه الله: (وكم في الدُّنيا من المضحكات) .. أليست هذه مصيبة من المصائب التي لم تقع في قرنٍ من قرونِ الإسلامِ الأولى والأخيرة.

لكنّ شيئاً لا زالَ عالقاً بعيداً عن الذهنِ والفهمِ عندي، فلا بدَّ من أن يُجيبَ عن السؤال عنه واحدٌ من الذين صارَ إليهم فهمُ الكتاب والسُّنة على منهج سلفِ الأُمّة، وقد أُشبعت جيوبُهم وصدورُهم من المكاسبِ على منهجِ سلف الأُمة، فإنّه لا يملكُ الجوابَ إلا من عرفَ كيف صارَ يعرفُ الجواب، وأحسبُه يسيراً سهلاً عليهم، إلا أن يُصارَ فيهم إلى المثلِ القائل: (اللي استحوا ماتوا) وقُضيَ الأمر.

ما معنى قولِه عليه الصلاة والسلام: ((الحياءُ والإيمانُ قُرناء جميعاً، إذا ذهبَ أحدُهما ذهبَ الآخر))؟ ويأتي من بعده سؤالٌ آخر ولا بدَّ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنّ مما أدركَ الناسَ من كلامِ النبوّة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنَع ما شئت)).

وأرجو أن يكون الجواب على وفق: (العمل شرط كمال لا شرط صحّة) كيلا يكون من حرجٍ من الجواب عليهم، ربما يُحْوجُهم إلى شيءٍ من التكلُّف في التأويل، وهم لا يحبّون أن يخالِفَ عنهم خُلَّصُ تلاميذهم ومريديهم.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٢٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٢٣١