وبدهيٌّ أن نعلم: أنَّ شمعةً من شموع السُّنَّة أُشعلَت في أرض الشام المباركة، وكان مُشعِلُها رجلاً جاء أرضَ الشام مهاجراً من ألبانيا، اسمه: محمد ناصر الدِّين الألباني، وأحدثَ اللهُ لها نوراً وانتشاراً، دخل مدناً، وقرىً، ودساكِرَ كثيرة، وأسَّسَ دعوةً حملَها في حلِّه وسفرِه، والتقى الناسُ عليه، وبخاصةٍ الشباب منهم، وحفظَ الناسُ عنه بعضَ الأقوال، مثل قوله: (دعوتنا: كتابٌ وسنّة على منهج سلف الأُمّة)، ومثل قوله: (أنا أُعلِّمُ ولا أُربّي)، وكنت أنا أوّل مَن دعاه إلى الأردن، وعرَّفتُه بالناس فيه وعرَّفتُ الناسَ به، ولقيَ بعضَ الابتلاءِ في الأردن، وانفضَّ الناسُ من حولِه فيها، وبخاصة أدعياءَ تلاميذه الذين نحلوا أنفسهم التلمذةَ عليه، وأخذَهم العلم عنه، وملازمتَهم حلقاتِه ومجالسهم، فقد كانوا أوّل المنهزمين.
ولم يعرف الناس عنه يوماً أنه دعا ثُلّةً اختارها ليجلسوا إليه في حلقةٍ يقالُ إنّها حلقة علم، وقضى رحمه الله وأنا أراوده اليوم بعد اليوم لإقناعِه أن يجعلَ للبعض مثل هذه الحلقة، وفي كلّ مرّة يشتدُّ رفضُه وإباؤه قائلاً لي: (يا أبا مالك! لم يبقَ على الشجرِ إلا الحطب) كنايةً عن كِبَر سنِّه.
ومات رحمَه اللهُ، وما عُرفَ عنه أنّه خلفَهُ واحدٌ خلفَه في علمِه، أما مجالسُه التي كانت في بعض المناسباتِ، بالسؤالاتِ، وهي التي دوِّنت على أشرطة الكاسيت؛ فنعَم.
ثانياً: نَعَم؛ ليس يُنكَرُ أنّه كان للشيخ الألبانيِّ -رحمه اللهُ- أثرٌ ظاهرٌ قويٌّ في إحداثِ النشاطِ العلميِّ في ساحةِ السُّنَّة النبويّة الذي غابَ عن أرضِ المسلمين زماناً، إلا ما أجرى اللهُ منه في أرض الكنانةِ من صنيعِ عقلِ الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، وهو شيءٌ قليلٌ إلى جانبِ ما أحدثَه الشيخ ناصر.
غيرَ أن أثرَ الشيخ أحمد ظلَّ مصوناً، ولم يُعرَف أنّ واحداً ممن أخذَ عنه كان سارقاً نهّاباً، كمثل الذين نحلوا أنفسَهم التلمذةَ الشائهةَ الرديئةَ على الشيخ ناصر، فهؤلاء أوجعوا بطونَهم من كثرةِ ما سرَقوا ونهَبوا، ثم لم يزيدوا على توكيدِهم للناسِ أنّهم سُرّاقٌ غرابيب.
ولم يأتِنا خبرٌ عن واحدٍ من جماعةِ أو من جمعيةِ السَّرقةِ التي صارت مجلوبةً ببضاعتِها الرديئةِ للناس كافّة من غير حاجةٍ إلى قيامِ الدليلِ إلا دليلاً واحداً، وهو – مثلاً – إن فلاناً السارق ذكرَ كذا أو قال ذلك، فقد أصبحت أسماؤهم المشهورةُ - على تفاوتٍ في القُدرةِ بينهم – كافيةً في التصديق أو التدليل، بل إنّ الأسماعَ عافت ذكرَها، ولم تَعُدْ تقبلْ أن تُذكَرَ إلا على تخوُّفٍ وخفاءٍ، ولكأنّي بأولئك السَّرَقة قد صنعوا لأنفسهم محاقبَ مُحكَمةً، وجّهوها إلى وجوه تلاميذهم الأغبياء، وأفواهِهم، وآذانِهم، وآنافِهم، وأجلبوا عليهم بها بتلكم الأكاذيبِ العسرةِ العجفاء الخادعة، وقد خلَت من الأدب والتقوى والذوقِ العلميِّ، ولا أدري كيف جاز لدورِ النشرِ – إلا من جهلٍ ملأ عقولَ أصحابِها – أن يقبلوا أكاذيبَهم الهابطةَ الساقطةَ، ويروِّجوا لها في الدُّنيا، لتعودَ عليهم بالمالِ الوفيرِ الحرام، فتكونَ هذه الدورُ أيضاً أعانَتهُم على كسبٍ حرام، فلم تكن قد اكتسبت لنفسِها فحسب، بل أكسبت هؤلاء اللصوصَ حراماً، صارَ العلمُ به نهبَ عقولٍ، وأقلامٍ، وأسواقٍ، ومعارضَ تنشأ في مواسمَ ومناسباتٍ، فمتى تكون تقوى اللهِ قاضيةً فيهم جميعاً، تعودُ عليهم بالربحِ الحلال، البريء، الهنيء، ألا ساءَ ما يكسبون، ألا ساءَ ما يفعلون ويقولون، وتقوى الله هي التي عليهم بالحقّ إن أرادوه.
ولستُ أملكُ لابنِنا العزيزِ (الدكتور خالد الحايك) الذي أحكمَ نقدتَه، وألزمَ لكزتَه، وأحسنَ صِرمتَه، وأبانَ عن شيكتِه، حين أتى على هذه السرقاتِ الغاوياتِ المجلباتِ اللاتي أو اللواتي صارت أحاديثَ غير خافية في الناس، ولو كان (مشهور) عدلاً في نفسِه ومن الثلّة الألبانية المباركة؛ لأسرعَ إلى نفسِه، وأطلعَ على الناس، وعزمَ على توبةٍ يُغري بها شركاءَه المعوزين، ليُفرحوا بها شيخَهم المدَّعى رحمه الله في قبرِه، ويُقرُّوا بها عينَه من بعد موتِه، وتكون لهم عزمةٌ جادّةٌ يكونون بها إن شاء اللهُ قدوةً صالحةً لطلابِ العلمِ الذين خُدعوا بهم زماناً من بعد أُخدودِ فُرقةٍ، شَقُّوه في الأُمّة بخفايا وظواهرَ من مكرٍ لا يُستطاب، وهل من مكرٍ يُستطابُ في الحياة؟ نعم هو يُستطابُ من صانعيه! أما الأُمناءُ الأتقياءُ؛ فبينَه وبينَهم شأوٌ شاسعٌ، وشقاقٌ بعيد.