قلت: الذهبي لم يقل هذا، وإنما هو ملخِصٌ لكلام الحاكم الذي لم يذكره السقاف. فإن الحاكم قال: "هذا حديث صحيح، رواته مكيون، لم يذكر واحد منهم بجرح، وهو من شرط الصحيح ولم يخرجاه".
فلخّص الذهبي هذا الكلام بقوله: "صحيح ما في رواته مجروح"، فكيف يُنسب هذا الحكم للذهبي؟!
والأدلة على عدم موافقة الذهبي للحاكم في أحكامه كثيرة ليس هذا مكان بسطتها.
وبعد فإنّ السقاف قد مشى في كتابه هذا على نهج الحديث الموضوع في فضائل كلّ سورة الذي وضعه أبو عصمة نوح بن أبي مريم!! قال الحاكم: "وضع أبو عصمة حديث فضائل القرآن الطويل".
فقد ذكر السقاف فضل (92) سورة من سور القرآن الكريم، فهو عملياً قد ذكر فضلاً لكلّ سورة خلا (22) سورة، فلو أننا حذفنا التكرار الذي عنده، وكذلك الأحاديث الضعيفة التي ذكرها في الكتاب وهي معلولة، وكذلك الأحاديث الصحيحة التي لا تدل على فضل بعض السور كما فهمه، لرجع حجم الكتاب إلى ما ذكره أهل العلم في الفضائل التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يثبت أن كتابه هذا لا قيمة له أبداً، بل هو نموذج (للعقل المتخلّف) الذي تعاني منه الأمة، ونموذج (للورم السرطاني) الذي نخر في جسد الأمة، نسأل الله العفو والعافية، وهو حسبنا ونِعم الوكيل.
والقرآن كلّه فضل، وما جاء فيه بعض سوره أو بعض آياته من فضل إنما هو لنفع العباد كآيات الرقية، وآيات فضل الذكر وغير ذلك، وبهذا كلّه يكون كلام أهل النقد في محلّه لا كما قال السقاف تبعاً للسيوطي.
قال ابن القيّم في كتاب ((المنار المُنيف في معرفة الصحيح والضعيف)) [212] تحت عنوان (فصل في أحاديث فضائل سور القرآن): "ومنها ذكر فضائل السور وثواب من قرأ سورة كذا فله أجر كذا من أول القرآن إلى آخره، كما ذكر ذلك الثعلبي والواحدي في أول كلّ سورة والزمخشري في آخرها. قال عبدالله بن المبارك أظن الزنادقة وضعوها. والذي صحّ في أحاديث السور حديث فاتحة الكتاب، وأنه لم ينزل في التوراة ولا في الانجيل ولا في الزبور مثلها، وحديث البقرة و آل عمران أنهما الزهراوان، وحديث آية الكرسي وأنها سيدة القرآن، وحديث الآيتين من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه، وحديث سورة البقرة لا تقرأ في بيت فيقربه شيطان، وحديث العشر آيات من أول سورة الكهف من قرأها عصم من فتنة الدجال، وحديث قل هو الله أحد وأنها تعدل ثلث القرآن، ولم يصح في فضائل سورة ما صح فيها، وحديث المعوذتين وأنه ما تعوذ المتعوذون بمثلهما، وقوله صلى الله عليه وسلم: أنزل عليّ آيات لم ير مثلهن ثم قرأهما، ويلي هذه الأحاديث وهي دونها في الصحة حديث: إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وحديث قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن، وحديث تبارك الذي بيده الملك هي المنجية من عذاب القبر، ثم سائر الأحاديث بعد كقوله: من قرأ سورة كذا أعطي ثواب كذا فموضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اعترف بوضعها واضعها، وقال: قصدت أن أشغل الناس بالقرآن عن غيره، وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نكذب عليه، ولم يعلم هذا الجاهل أنه من قال عليه ما لم يقل فقد كذب عليه واستحق الوعيد الشديد".
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وكتب: د. خالد بن محمود الحايك.
يوم عرفة 9 ذي الحجة 1429 هـ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي:
[1] سيكون منهجي في الكتاب كلّه أنه حيثما قلت: قال السقاف، ثم آتي بكلامه، فهو كما نقلته من كتابه دون تغيير فيه أو ضبطه أو غير ذلك؛ وذلك ليعلم القارئ لغة هذا المصنف، ومدى دقة ضبطه لكتاب في الحديث!!
[2] أبجد العلوم: (2/ 399).
[3] كشف الظنون: (2/ 1277).
[4] مجمع الزوائد: (7/ 161).