قلت: فأين السقاف من هذا العلم؟!
· المطلب الثالث: إخفاؤه لكلام بعض الأئمة وبتْره، ونقله ما يؤيد رأيه فقط:
ذكرت فيما سبق (جهل السقاف) في الحديث وعدم إدراكه لمرامي كلام الأئمة ولعلل الأحاديث، إلا أن هناك نقولات منه تدل على مَكْرِه وتدليسه لإقناع القارئ برأيه! وإيهامه بأن ما نقله هو الصواب!
والسقاف ينقل خلال أحكامه على بعض الأحاديث بعض أقوال الأئمة مقتصراً على ما يؤيد رأيه من ذلك الكلام، مع أن الكلام كلّه يخالف رأيه، ولكن ليدلّس على الناس ولينصر حكمه على بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة يبتر كلام الأئمة.
ومن أمثلة ذلك:
1 - ذكر (ص 80): "فضل الآية رقم (111) من سورة الإسراء: وعن معاذ ابن أنس الجهني رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آية العز ﴿الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبّره تكبيراً﴾. رواه أحمد والطبراني".
وقال في الحاشية: "حسن في الفضائل. رواه أحمد (3/ 439) والطبراني، قال المناوي في فيض القدير (1/ 62): ((قال العراقي سنده ضعيف، ورمز السيوطي لحسنه)) وهو كذلك في الفضائل باعتضاد إسنادين".
قلت: وأين هذين الإسنادين اللذين اعتضد الحديث بهما؟! لِمَ لم يذكرهما السقاف؟! والجواب عند السقاف الذي أخفى كلام الهيثمي الذي يعتمده في جلّ كتابه! فإنه قال في ((المجمع)): "رواه أحمد من طريقين في إحداهما رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وفي الأخرى ابن لهيعة، وهو أصلح منه، وكذلك الطبراني" [142].
وهذا أيضاً نقله المناوي عن الهيثمي، ولكن السقاف (أخفاه)!
قال المناوي: "قال الحافظ العراقي: وسنده ضعيف. وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني من طريقين في أحدهما رِشْدِين بن سعد وهو ضعيف، وفي الأخرى ابن لهيعة وهو أصلح منه. وقد رمز المؤلف لحسنه" [143].
والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند)) [144] عن يحيي بن غيلان، قال: حدثنا رِِشدين، عن زبّان، عن سهل، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((آية العز: الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً الآية كلها)).
ولم يجد السقاف رواية الطبراني وكأنها مما فُقِدَ من معجمه الكبير، وقد رواه في ((كتاب الدعاء)) [145] عن المقدام بن داود، عن أسد بن موسى، عن ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه رضي الله عنه أنه كان يقول: (آيةُ العِزِّ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾).
قلت: كذا موقوف على معاذ بن أنس، ولا يصح؛ لأن ابن لهيعة ضعيف، وحديثه وحديث رِشدين – وهو ضعيف أيضاً – يدور على زَبّان بن فائد، وهو متروك الحديث، ويروي نسخة باطلة عن سهل بن معاذ ابن أنس عن أبيه.
وقد أشار الهيثمي في المجمع إلى أن روي كذلك عن أنس بن مالك، فقال: "عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آية العز: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً﴾، رواه الطبراني وأحمد" [146].
قلت: وهذا من أوهام الهيثمي الكثيرة في كتابه! فإن الحديث عن (معاذ بن أنس) فكأنه تحرّف في نسخته إلى (معاذ عن أنس) فنسبه: (أنس بن مالك)، والله أعلم.
وقد ذكر الهيثمي أيضاً هذا الحديث في (باب ما جاء في الحمد)، فقال في المجمع: "وعن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: العز والحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك إلى آخر السورة. رواه أحمد ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم" [147].
قلت: فلم يذكر الهيثمي أن هذه آية العز وإنما أضاف العز إلى الحمد!
وعادة السقاف في تدليسه الخبيث: أنه إذا أراد أن يحتج لمذهبه فوجد عند أحد العلماء كلاماً يوافقه أتى به، وإذا لم يعلّق ذاك الإمام قال ذكره فلان وسكت عنه، وإذا رأى عنده ما يخالفه أعرض عنه، وكأنه لا وجود له! كما يفعل ذلك كثيراً مع ما يذكره ابن كثير في تفسيره، وقد مرّ التنبيه على هذا فيما سبق.