ولكن أين هو من كلام ابن حجر الذي اعترض فيه على ابن حزم وردّ كلامه؟ هل مرّ به وغضّ الطرف عنه لنصرة هواه؟ أم أنه لم يقف عليه؟!
قال الحافظ في ((الفتح)): "وفي حديث الباب حجة لمن أثبت أن لله صفة، وهو قول الجمهور، وشذَّ ابن حزم فقال: هذه لفظة اصطلح عليها أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم، ولم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، فإن اعترضوا بحديث الباب، فهو من أفراد سعيد بن أبي هلال، وفيه ضعف، قال: وعلى تقدير صحته فقل هو الله أحد صفة الرحمن كما جاء في هذا الحديث، ولا يزاد عليه بخلاف الصفة التي يطلقونها، فإنها في لغة العرب لا تطلق إلا على جوهر أو عرض، كذا قال! وسعيد متفقٌ على الاحتجاج به، فلا يلتفت إليه في تضعيفه، وكلامه الأخير مردودٌ باتفاق الجميع على إثبات الأسماء الحسنى، قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ ... " [134] إلخ ما قال هناك؛ فارجع إليه (يا سقاف) فإنه كلام نفيس، وقول ابن حزم هو المردود عندنا.
· المطلب الثاني: عدم فهمه لمقاصد الأئمة في كتبهم وتمييز ما يَروونه:
إنّ السقاف لا يميز بين الأحاديث! فينقلُ من الكتب دون وعي أحياناً لعدم فهمه مقاصد الأئمة من تخريج الحديث!
ذكر (ص 27) قال: "وعن أبي موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ)). رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة.
وقد زاد أبو داود في روايته عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً: ((وَمَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْهُ شَيْءٌ أَصَابَكَ مِنْ رِيحِهِ وَمَثَلُ جَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْكِيرِ إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْ سَوَادِهِ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ)) ". انتهى نقل السقاف.
قلت: هذه الأخيرة ليست زيادة احتج بها أبو داود، وإنما أراد أبو داود من تخريجها بيان دخول حديث في حديث، فإنه قال في ((السنن)) [135]: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قال: حَدَّثَنَا أَبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مَرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْهُ شَيْءٌ أَصَابَكَ مِنْ رِيحِهِ وَمَثَلُ جَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْكِيرِ إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْ سَوَادِهِ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ)).
قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى [ح] وحَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، قالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ الْأَوَّلِ إِلَى قَوْلِهِ ((وَطَعْمُهَا مُرٌّ))، وَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ: قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: (وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ مَثَلَ جَلِيسِ الصَّالِحِ) وَسَاقَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ.