قال ابن أبي شيبة [128] (6/ 60): حدثنا يحيى بن آدم: حدثنا عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد يشهدان به على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما جلس قوم مسلمون مجلساً يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وتغشتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)).
ورواه ابن ماجه في ((السنن)) [129] عن أبي بكر بن أبي شيبة، مثله. وفيه: ((وذكرهم الله فيمن عنده)).
وأما رواية الدارمي [130] عن بشر بن ثابت، قال: أخبرنا شعبة، عن يزيد بن أبي خالد، عن هارون، عن أبيه، عن ابن عباس قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتذاكرون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها حتى يخوضوا في حديث غيره، ومن سلك طريقاً يبتغي به العلم سهل الله طريقه من الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) [131] عن أبي الأحوص، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: سألت ابن عباس: أي العمل أفضل؟ قال: (ذكر الله، وما جلس قوم في بيت يتعاطون فيه كتاب الله فيما بينهم، ويتدارسونه، إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا فيه حتى يفيضوا في حديث غيره).
قال ابن رجب: "وروي مرفوعاً، والموقوف أصح" [132].
قلت: فهو موقوف على ابن عباس، ولكن السقاف لا يفقه هذا العلم!
فائدة في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((وذكرهم الله فيمن عنده)):
قال ابن رجب: "وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] وذكر الله لعبده: هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته ومباهاته به وتنويهه بذكره. قال الربيع بن أنس: إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيراً. وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: 41 - 43]، وصلاة الله على عبد هي ثناؤه عليه بين ملائكته وتنويهه بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاري في صحيحه" [133].
قلت: ويكفي في الرد على السقاف قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206].
2 - ذكر السقاف في فضل سورة الإخلاص (ص 198) قال: "وعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: بَعثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختِم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: ((سلوهُ لأيّ شيء يصنعُ ذلك؟)) فسألوهُ فقال: لأنها صفةُ الرّحمن وأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((أخبروهُ أن الله يُحبُّهُ)). رواه البخاري ومسلم".
وقال في الحاشية: "صحيح الإسناد. رواه البخاري (7375) ومسلم (813)، وقد ضعّف هذا الحديث ابن حزم في ((الفصل في الملل والنِّحل)) (2/ 121) فقال هناك معلقاً على لفظة (صفة الرحمن): [هذه اللفظة انفرد بها سعيد بن أبي هلال وليس بالقوي، قد ذكره بالتخليط يحيى وأحمد بن حنبل، وأيضاً فإن احتجاج خصومنا بهذا لا يسوّغ على أصولهم لأنه خبر واحد لا يوجب عندهم العلم ... ] إلى آخر ما قال هناك فارجع إليه فإنه كلام نفيس، وقول ابن حزم فيه هو المتجه عندنا". انتهى.
قلت: نعم، هو كلام نفيس عند أهل البِدع! وتبني السقاف لرأي ابن حزم يعني أنه ينفي إطلاق الصفة على الله عزّ وجلّ!