ورواه أيضاً الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما [26]. قال ابن حجر في ((التلخيص)) [27]: " [رواه] أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني والبيهقي والحاكم، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وقد ذكر الحاكم أنه تفرد به وأكده الحاكم بأن الرواية صحت فيه من قول عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى وعمار ثم ساقها موقوفة عنهم، وأكده البيهقي بما رواه في المعرفة من طريق خالد ابن معدان مرسلاً".
وسيأتي أمثلة على ذلك من خلال تتبع السقاف لاحقاً إن شاء الله.
وكذلك ترتيب مصادر التخريج، فيقدم المتأخر على المتقدم، ولا يتنبه إلى رواية هؤلاء المصنفين عن بعضهم، فمثلاً يذكر السقاف أحياناً الرواية عند ابن خزيمة وابن حبان، فيقول كما في (ص 30، حاشية 64): "ورواه ابن خزيمة في صحيحه، وابن ماجه، ورواه ابن حبان في صحيحه ... ".
قلت: كان ينبغي تقديم ابن ماجه على ابن خزيمة، وكذلك فإن رواية ابن حبان عن ابن خزيمة، والصواب أن يقول: رواه ابن خزيمة في صحيحه، ورواه من طريقه أو عنه: ابن حبان في صحيحه، وهكذا.
وذكر السقاف في فضل سورة النساء (ص 61) قال: "وعن واثلة بن الأسقع أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((أُعطيتُ مكانَ التوراة السبع، وأُعطيتُ مكان الزبور الِمئين، وأُعطيتُ مكان الإنجيل المثاني، وفُضِّلْتُ بالمُفَصَّل)). رواه أحمد".
وقال في الحاشية: "حسن. رواه أحمد (4/ 107) في المسند، ورواه الطيالسي ص (136) ... ".
قلت: رواية أحمد من طريق الطيالسي، فمن لا يعرف ذلك يظن أنهما مختلفتين، وكان ينبغي عليه أن يقول: رواه الطيالسي في مسنده عن فلان، ورواه أحمد عن الطيالسي به.
الفصل الثاني: القضايا الحديثية
من خلال قراءتي لكتاب السقاف هذا وجدته قد خالف الأئمة في كثير من القضايا الحديثية التي يعدّ جزءاً منها من المسلّمات عند أهل الحديث، فأنشأ قواعد لا تصمد أمام النقد الحديثي، بل تدلّ على أنه حاطب ليل.
وقد تتبعته في كلّ ذلك وتعقبته في المباحث الآتية:
· المبحث الأول: مصطلحات الحكم على الحديث وتعريفاتها عنده، واختراع مصطلحات جديدة.
تكلم السقاف في عدد من الصفحات على مصطلحات أهل العلم التي يحكمون بها على الأحاديث، وعرّفها من تلقاء نفسه، وخالف أئمة المصطلح في ذلك، بل إنه اخترع مصطلحات جديدة لم يعرفها أحد قبله!
· المطلب الأول: الحديث الصحيح عنده:
قال السقاف (ص 20) تحت عنوان: (شرح مصطلحات الحكم على الحديث وبيان طريقتنا في الحكم على الأحاديث باختصار): "بيان معاني مصطلحات الأحكام على الأحاديث النبوية الكريمة:
1 - الحديث الصحيح: هو الحديث الذي يكون رجاله ثقات في المرتبة العليا من التوثيق ولا يعارضه شيء في القرآن أو في بعض الأحاديث الصحيحة وليس ممتنعاً عقلاً".
قلت: هذا التعريف فيه عيوب كثيرة وغير قائم على استقراء حديثي، وإنما هو قائم على هوىً في النفس!
1 - خصّ السقاف هذا التعريف للحديث الذي رجاله ثقات في المرتبة العليا من التوثيق! ولم يبيّن لنا ما هي هذه المرتبة؟ وما هي حدودها؟ وكيف نصل إليها؟ ومن الذين نستطيع أن ندخلهم فيها؟!
نعم، الثقات مراتب، ولكن المرتبة العليا من التوثيق لم يبلغها إلا أفراداً قلائل من الأئمة. قال شعبة: "لو حدثتكم عن ثقة، ما حدّثتكم عن ثلاثة" [28].
ثُم ما هو مصير من قيل فيه صدوق من أهل العلم، ألا يصحح الأئمة حديثه؟!
2 - قوله: "رجاله ثقات" دون تقييد بالعلة والشذوذ اللتين اشترطهما أهل العلم في تعريف الحديث الصحيح فيه نظر! لأن هناك أحاديث رجالها ثقات ولكن فيها علة خفية، لا يدركها إلا أهل النقد، ومن هنا أُتي الهيثمي الذي اعتمده (السقاف) في الاحتجاج بقوله في بعض الأحاديث: "رجاله ثقات"؛ لأنه لم يلتفت إلى العلل.
3 - ثم إن احتجاجه بقول الهيثمي وتصحيح الأحاديث التي قال في أسانيدها "رجاله ثقات" نقض لشرطه في التعريف "في المرتبة العليا من التوثيق"؛ لأن الهيثمي يقول ذلك أحياناً في رواة لا يعرف فيهم جرح ولا تعديل وهو نفسه يوثقهم! فأين شرط السقاف إذن؟!!