فتعقبه المعترض، فقال (ص 193):
((إن محمد بن قيس سمع من أبي صرمة مالك بن قيس الصحابي، ولم يصب الألباني في دعوى الانقطاع بين محمد بن قيس وأبي صرمة، بل قلّد الحافظ –رحمه الله تعالى- حيث عدّ محمد بن قيس من السادسة، وهم من لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة –رضوان الله عليهم- ولو رجع الألباني إلى كتب الرجال –غير ((التقريب)) - لعلم أن عدَّ محمد بن قيس من السادسة خطأ ... )).
ثم قال:
((وبيان ذلك؛ أنهم عندما ترجموا لمحمد بن قيس ذكروا أنه يروي عن أبي صرمة، وعندما ترجموا لأبي صرمة ذكروا أن محمد بن قيس يروي عنه، وسكتوا إقراراً. ولم أرَ من قال: إن محمد بن قيس لم يرو عن أبي صرمة تصريحاً أو تلويحاً، بل إنهم في ترجمة محمد بن قيس ذكروا روايته عن جابر بن عبدالله وأبي هريرة ثم تعقبوا ذلك بأنه مرسل)).
أقولُ:
أئمة الحديث يفرّقون بين أمرين: بين مجرد رواية راوٍ معين عن شيخ معين، وبين ثبوت سماع هذا الراوي من ذاك الشيخ.
فالرواية المجردة لا تدل على السماع؛ لاحتمال أن يكون الراوي قد سمع بواسطة ثم أسقطها عند الرواية.
وكذلك ثبوت السماع لا يدل على وقوع الرواية؛ لاحتمال أن يكون الراوي سمع من شيخه لكنه لم يحدث بما سمعه منه ...
فالرواية المجردة وحدها لا تدل على السماع ...
وبعد أن بينا تكلّف المعترض وتعسفه في إثبات سماع محمد بن قيس من أبي صرمة، وسلوكه في ذلك مسلكاً وعراً، فللقارئ المنصف حقٌّ علينا أن نبين له الصواب في المسألة، فأقول:
لقد اجتمعت عدة قرائن تدل على أن محمد بن قيس لم يسمع من أبي صرمة، فوق تصريح الحافظ ابن حجر بذلك ...
القرينة الرابعة ...
أنه قد جاء من وجه آخر بذكر الواسطة بين محمد بن قيس وأبي صرمة.
قال المزي في ((تحفة الأشراف)) (3/ 108):
((ورواه عبدالله بن صالح عن الليث عن محمد بن قيس عن محمد بن كعب عن أبي صرمة عن أبي أيوب، وهو أشبه بالصواب ممن أسقط منه محمد بن كعب، والله تعالى أعلم)).
فهذا الإمام المزي –رحمه الله تعالى- قد رجح الرواية التي فيها الواسطة على غيرها مما لم يذكر فيه الواسطة ...
وباجتماع هذه القرائن، لا يشك فاهم لهذا العلم، أن محمد بن قيس لم يسمع من أبي صرمة، وهو الذي جزم به ابن حجر والمزي هنا، ومن قبلهما ابن حبان، والحمد لله على التوفيق ... ". انتهى.
قال حلبي (ص 298) مقطع (136): "نقل شيخنا في ((الصحيحة)) (4/ 604) عن الحافظ ابن حجر قولَه في محمد بن قيس: (( .. وحديثه عن الصحابة مرسلٌ))، فأعلّ بهذه الكلمة سنداً في ((صحيح مسلم)) يرويه محمد بن قيس عن أبي صرمة.
فقال محمود سعيد (ص 193):
((هكذا أعلّ الألباني هذا السند، وسيعلم إن شاء الله مجانبته للصواب حتماً، وبيان ذلك: أن محمد بن قيس سمع من أبي صرمة ... )).
قلت –أي حلبي-: وهنا مسألتان مهمتان:
الأولى: حول ((تقريب التهذيب)) وطريقة شيخنا في الإفادة منه والتعامل معه، إذ ليس الأمرُ فيها كما ذكره محمود سعيد –بجهل- أنه ((قلّده))!! لا، بل لشيخنا طريقة منهجية دقيقة معه، فصّلت القول فيها، وكشفت عن خوافيها، ورددت على أمثال محمود سعيد من المتطاولين، في كتابي ((محدّث العصر .. ومنهجه في دراسة السنة ونقد الأسانيد))، وهو على وشك التمام إن شاء الله الملك العلاَّم.
الثانية: أن مجرد ذكر الرواة عن الشيخ أو الراوي هو عنهم في كتب الجرح والتعديل لا يفيد البتة القطع بالسماع عنه أو عنهم، وبيان ذلك في تعليق لي على ((إحكام المباني .. )) (ص 45) –وهو رد على محمود سعيد نفسه أنقله بتمامه- رداً على من استلزم ذلك الاستلزام الفاسد:
قلت: ((لا يستلزم ذكره أنه روى عنه، أو سمعه، أو حتى أدركه))!! وأضرب مثالاً على هذا ... ".
ثم قال حلبي (ص 300) مقطع (137): "ثم قوله المتقدم: (( .. ولم أر من قال: إن محمد بن قيس لم يرو عن أبي صرمة تصريحاً وتلويحاً .. )) قولٌ يدل على جهل واستعلاء!