قلتُ: وعليه تعليقات:
الأول: أن ابن حبان وصف بشيراً في ((ثقاته)) (6/ 98) بأنه ((يخطئ كثيراً)).
الثاني: أن كلمة البخاري التي أوردها، بَتَرها –كعادته- فَفَهم منها ما فهمه، إذ تتمةُ كلامه رحمه الله في ((تاريخه الكبير)) (1/ 2/101 - 102) بعد أن أورد له حديثاً: ((يخالف في بعض حديثه هذا)).
فحذف محمود سعيد كلمة (هذا) لتسلم له دعواه، ويسلم القول الذي بناه! ولكن هيهات، فإنما هو على شفا جُرُف هار.
إذ كلمة الإمام البخاري –رحمه الله- كما هو واضحٌ لكلِّ ذي عينين إنما هي في حديثه هذا خاصة، لم يرد الحكم على مطلق حديثه، فافهم". انتهى كلام حلبي.
قلت: والله ما فكّرت يوماً أن أدافع عن محمود سعيد ممدوح (هذا)، ولكن سرقة حلبي من الشيخ طارق تجعلني مضطراً أن أدافع عنه في هذا المقام!!
فكلام الشيخ طارق –حفظه الله- غير مسلَّم! وفيه نظر! (وليس القصد تتبع الشيخ طارق في كتابه، فهو كتاب جيد وعليه بعض الملاحظات العلمية التي لا تنقص من قيمته، ولعلني –إن مد الله في العمر- أناقشه في بعض الأمور لاحقاً).
وأما ما يتعلق بردّه هذا، فأقول:
1 - هذا النص عن البخاري نقله هكذا دون كلمة ((هذا)) الأئمة قبل محمود سعيد، وهم: الإمام ابن عدي في ((الكامل)) (2/ 21) فقال: حدثنا ابن حماد: حدثنا البخاري قال: ((بشير بن مهاجر الغنوي رأى أنساً. يخالف في بعض حديثه)).
ونقلها كذلك ابن كثير في ((تفسيره)) (1/ 34)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) (4/ 177)، وابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (1/ 411).
2 - ترجيح الشيخ طارق بأن المخالفة التي ذكرها البخاري في حديثه هذا خاصة يخدم محمود سعيد في استنتاجه الذي وصل إليه اعتماداً على قول البخاري! فإذا كان البخاري يرى أنه خالف في حديث واحد –وهو هذا- فهذا يعني أن باقي حديثه ليس فيه مخالفة، وهذا عين ما يريده محمود سعيد.
3 - ولهذا فإن ترجيح أن البخاري لم يرد هذا الحديث هو الأصوب في حال بشير ابن المهاجر؛ لأن البخاري غير غافل عن أنه يخالف في أكثر من حديث! ولهذا لم يخرِّج له!!
4 - قصد البخاري من هذا: الإتيان بمثال على حديثه الذي يخالف فيه! فإنه خالف حديث عبدالله بن عمرو بن العاص في ذكر الدجال الذي رواه مسلم وغيره، وفيه: (( ... ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته ... )). فإرسال الريح ليس على رأس المائة، وإنما في آخر الزمان، وكأنه دخل لبشير حديث في حديث، أي حديث: ((أرأيتكم ليلتكم، فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد)).
وما نقله ابن عدي عن البخاري من طريق ابن حماد –وهو الدولابي- من كتاب الضعفاء الكبير للبخاري، ورواية ابن سهل التي عندنا من التاريخ الكبير، زاد البخاري هذا الحديث كمثال من مخالفات ابن المهاجر لا أنه لم يخالف إلا فيه! فكأن البخاري يقول: انظر كيف خالف في بعض حديثه هذا، أي الذي ذكرته هنا في ترجمته.
والبخاري يورد في ترجمة الراوي أغرب ما يروي، ولهذا أورد البخاري هذا الحديث في ترجمة بشير لاستنكاره بتفرده به!!!
وكلام البخاري في الضعفاء في المخالفة في غير حديث هو الصواب، وليس بينه وبين ما في التاريخ أي تناقض.
فانظر –رحمك الله- كيف قلّد حلبي الشيخ طارقا في هذا!! واتهم المبتدع بحذفه وبتره كلمة ((هذا)) مع أن محمود سعيد نقل هذا عن المزي أو ابن حجر!
ولا أدري كيف يتوافق التعليق الأول الذي ذكره حلبي مع التعليق الثاني، فهما متناقضان تماماً!!! فالأول يقول: إن بشير بن المهاجر يخطئ كثيراً، والثاني: إنه لم يخالف إلا في حديث واحد، فأين (الفهم) يا علي؟! تنقل (دون وعي)!!!
(فافهم أنت ... )!!!
27 - ذكر الشيخ طارق (ص 225) حديث بشير بن المهاجر عن عبدالله بن بريدة عن أبيه: ((أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده ... ، وفيه: فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم)).