... أما أحمد وإن كان يطلق النكارة بهذا المعنى أحياناً، إلا أن هذا ليس مطرداً عنده، بل كثيراً ما يطلق النكارة يريد بذلك تضعيف الراوي ...
ثم قال –أي المعترض-: ((وعليه؛ فلا يعتبر قول أحمد: ((منكر الحديث)) تضعيفاً لبشير بن المهاجر، بل معناه أنه يتفرد أو يغرب)).
أقولُ:
لو سلمنا بأن معنى النكارة هنا التفرد والإغراب، لما كان قول أحمد: ((منكر الحديث)) يعني: مجرد التفرد والإغراب، بل إن هذه الكلمة تعني شيئاً زائداً على هذا، وهو أن هذا الإغراب والتفرد قد كثر في حديثه ...
ثم إن أحمد لم يقل في بشير: ((منكر الحديث)) فقط، بل زاد هذا القول بياناً، فقال: (( ... قد اعتبرت أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب العجاب)).
فإن هذا الكلام لا يقال إلا إذا كان –مع كثرة تفرده- يخالف الثقات ويأتي بالطامات؛ لأن الثقة مهما تفرد، لا يقال في حقه: ((إنه يجيء بالعجب العجاب))!! ...
وأكبر دليل على أن قول أحمد في الراوي: ((منكر الحديث)) –يعني: تضعيفاً للراوي-: أن الإمام أحمد نفسه قد صرّح بذلك في غير موضع ...
والعجب أن الإمام أحمد نفسه صرح بأن بشير بن المهاجر ((منكر الحديث)) لمخالفته للثقات، بل صرح بأن حديثه هذا قد خالف فيه الثقات.
وقد نقلنا كلامه في المثال (13) من الأحاديث التي أعل الأئمة متونها وهي في ((الصحيحين)) أو أحدهما، في القسم الأول من هذا الكتاب". انتهى.
قال حلبي (ص 287) مقطع (127): "قال (ص 169) في بشير بن المهاجر: ((أما من تكلم فيه فلكونه ينفرد، قال أحمد: ((منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هو يجيء بالعجب العجاب)).
ومن المعروف أن النكارة عند أحمد رحمه الله تعالى معناها التفرد ... وعليه فلا يعتبر قول أحمد: ((منكر الحديث)) تضعيفاً لبشير بن المهاجر .. بل معناه يتفرد أو يغرب، والتفرد لا يضر إلا إذا كثر، وكان الغالب على حديث الراوي ... )) إلخ.
قلت –أي حلبي-: وعليه تعليقاتٌ:
الأول: تعريفه للمنكر فيه حصرٌ لهذه الكلمة ومعانيها، وليس الأمر كذلك، بل إن لها معاني أخر، منها النكارة الحقيقية.
الثاني: أننا لو سلمنا بأن معنى النكارة عند أحمد هو ((التفرد)) فإن قوله هنا فيه –بعدُ-: ((يجيء بالعجب ... )) يُعكِّر جداً على هذا التسليم، ويُبيّن المعنى الحقيقي لهذه الكلمة!
الثالث: أن للإمام أحمد كلمة أخرى في بشير تكشف ما أجمل في الكلمة الأولى، حيث روى عنه العقيلي قوله: ((مرجئ متهم، متكلم فيه))، وأما كلام محمود سعيد (ص 170 - 171) في (تأويل) هذه الكلمة فهو من تحريف الكلم عن مواضعه.
الرابع: أن كلامه –بعد- في التفرد وما يتبعه، إنما هو مبني على ما قبله من اعتبار حديث بشير، وأن كلمة أحمد فيه هي بهذا المعنى، وهو كله غير سديد لما تقدم.
الخامس: أن ما تقدم نقله عن الإمام أحمد (ص 141) من إعلاله هذه الزيادة ببشير هذا (لنكارة حديثه) يؤيد هذا المعنى الذي لا راجح سواه، فتأمل". انتهى كلام حلبي.
قلت: لم تفعل شيئاً يا (حلبي)!! فإنك لخصت هذه التعليقات من كلام الشيخ طارق، وزدت اثنين من عندك وهما (الثالث) و (الرابع).
أما التعليق الثالث والذي نقله من العقيلي والتهذيب كما أشار في الهامش ففيه تصحيف لا شك فيه! وما جاء فيه من قوله ((متهم)) لا يصح!!!
فالعقيلي رواه عن حمدان بن علي –وهو الوراق الثقة- قال: قلت لأحمد ابن حنبل: بشير بن المهاجر يروي عن ابن بريدة؟ قال: ((كوفي مرجئ متهم يتكلم)).
والذي في ((تهذيب التهذيب)): "قال العقيلي: مرجئ متهم متكلم فيه".
فصوّب (حلبي) ما فيهما فقال: "مرجئ متّهم، متكلم فيه". وقال في الهامش: "في الضعفاء (1/ 143)، وقارن بـ ((تهذيب التهذيب)) (1/ 469)، وما هنا من صوابٍ فهو منهما معاً".
قلت: مَنْ قال بأن ما ذكرته هو الصواب؟!
أقول: صواب النص هو: ((كوفي مرجئ منهم يتكلم)) أي هو من مرجئي الكوفة، فكلمة ((منهم)) تعود على كوفي، أي من أهل الكوفة. وقوله ((يتكلم)) أي في الإرجاء.