قال المعترض:
((وهما متابعتان صحيحتان، لكن المتابعة الثانية أصح، لقول الإسماعيلي: لم يسمع موسى بن عقبة من الزهري شيئاً. انظر ((التهذيب)) (10/ 362) اهـ. كلام المعترض.
أقولُ:
ابتداءً: جزمك بصحة هاتين المتابعتين؛ لا يستقيم مع تسليمك بأن موسى بن عقبة لم يسمع من الزهري؛ لأن مقتضى هذا أن يكون السند إلى الزهري منقطعاً، والذي من موجباته ضعف السند، فكيف تكون إذاً متابعة الزهري صحيحة؟ إلا إذا كان الانقطاع ليس بعلة قادحة توجب الضعف عندك، وإلا إخالك تقول بذلك، فإن هذا من مبادئ ما يتعلمه المرء في هذا العلم الشريف.
ثانياً: أن المتابع في الحقيقة واحد فقط، هو موسى بن عقبة، وأما ذكر الزهري بينه وبين سالم بن عبدالله في الرواية الأولى خطأ من الراوي عن موسى بن عقبة.
وهاك البيان ...
إن الرواة قد اختلفوا في ذكر الزهري على موسى بن عقبة ..
فذكره محمد بن فليح، كما في الرواية الأولى.
ولم يذكره زهير، وهو ابن معاوية، كما في الرواية الثانية.
وزهير؛ أثبت من محمد بن فليح بلا شك؛ فإنّ الثاني قد تكلم فيه ابن معين، وقال فيه أحمد بن حنبل: ((ما به بأس، ليس بذاك القوي)). فهو بالطبع أنزل من زهير، فروايته هنا مرجوحة أمام رواية زهير الراجحة المحفوظة.
هذا وجه ترجيح.
ويزيده قوة: أن زهيراً، مع كونه أوثق من محمد بن فليح بمفرده، قد تابعه رجلان آخران، فلم يذكرا الزهري أيضاً.
قال ابن سعد (4/ 1/45 - 46):
((أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا وهيب بن خالد. وأخبرنا المعلى بن أسد، قال: حدثنا عبدالعزيز بن المختار، قال: حدثنا موسى بن عقبة، قال: حدثني سالم، عن أبيه)).
فهذان؛ اثنان قد تابعا زهير بن معاوية على عدم ذكر الزهري بين موسى بن عقبة وسالم بن عبدالله.
الأول: وهيب بن خالد، وهو ثقة ثبت.
والثاني: عبدالعزيز بن المختار، وهو صدوق في أقل الأحوال.
ومما يزيد هذا قوة: أن موسى بن عقبة ذكر سماعه هنا من سالم، فقال: ((حدثني سالم)) ...
ثم لننظر فيما نسبتَه إلى الإسماعيلي ...
أنتَ عزوت هذا لـ ((التهذيب)) (10/ 362)، والذي هناك:
((قال الإسماعيلي في كتاب العتق: يُقال: لم يسمع موسى بن عقبة من الزهري شيئاً. كذا قال)).
فأولاً: الإسماعيلي لم يقل هذا، وإنما حكاه عن مجهولٍ، بصيغة التمريض، إشعاراً بضعف هذا القول.
ثانياً: الحافظ ابن حجر أشار إلى ضعفه أيضاً، بقوله: ((كذا قال))!!
ثالثاً: أن البخاري قد احتج برواية موسى بن عقبة عن الزهري في غير موضع من صحيحه ...
والحاصل ..
أنه لا يسلم للمعترض من هاتين المتابعتين لعمر بن حمزة إلا متابعة واحدة، وهي متابعة موسى بن عقبة؛ لأن ذكر الزهري في الرواية الأخرى شاذ غير محفوظ، والله أعلم". انتهى كلامه.
قال حلبي (ص 282) مقطع (123): "تكلّم (ص 160 - 161) على زيادة (( .. فأوصيكم به .. )) في حديث: ((إن تطعنوا في إمارته .. )) أي: أسامة، فذكر لها متابعة الزهري، وموسى بن عقبة (!) قائلاً: ((وهما متابعتان صحيحتان)، لكنّ المتابعة الثانية أصح، لقول الإسماعيلي: لم يسمع موسى بن عقبة من الزهري شيئاً))!
كذا قال! وهو كلام يحوي متناقضات عدّة:
الأولى: جزمه بأنهما صحيحتان! وليس الأمر كذلك كما أقرّ به!
الثانية: ذِكره أن المتابعة الثانية (أصح)، فهذا يعني توكيداً على الملاحظة الأولى وهي أن الأولى صحيحة! وليس الأمر كذلك أيضاً باعترافه!
الثالثة: أن الأولى التي ذكر وأكّد أنها صحيحة هي –باعترافه- منقطعة! فهل الانقطاع يعارض التصحيح أم يوافقه؟!
الرابعة: أن الإسماعيلي لم يقل هذا، إنما عزاه لغيره قائلاً: يُقال))!
الخامسة: أن الحافظ ابن حجر لم يرتضِ هذا القول بعد نقله في ((التهذيب)) (10/ 362) فقال عقبه: ((كذا قال))!
السادسة: أن المتابعتين هما في الحقيقة لرواية واحدة، ترجع في أصلها لموسى ابن عقبة، فلا يقال: هما متابعتان!