قد أشرت مراراً أن (حلبيّ) اعتمد على كلام الشيخ الألباني في هذا الحديث، وما تقدم من نقد لكلام (حلبي) يشمل كلام الشيخ الألباني أيضاً، وهذه أوهام أخرى وقعت له أثناء كلامه على هذا الحديث:
1 - اعتمد الشيخ الألباني على رواية الإسماعيلي من طريق محمود بن آدم – وقد تصحف في الصحيحة إلى محمد – عن ابن عيينة.
قال الشيخ: "وهذا إسنادٌ صحيح على شرط الشيخين"!
قلت: كيف يكون على شرط الشيخين ولم يخرجا لمحمود بن آدم؟! بل لم يخرّج له أصحاب السنن كذلك، وهو – وإن كان صدوقاً – إلا أن ترك الأئمة له يدلّ على عدم الاعتماد على روايته إلا إذا توبع.
2 - ذكر الشيخ أن الفاكهي أخرج الحديث في ((أخبار مكة)) عن سعيد بن عبدالرحمن ومحمد بن أبي عمر عن سفيان مرفوعاً، ثم قال: "فاتفاق هؤلاء الثقات الخمسة على رفع الحديث دون أي تردد فيه؛ لبرهان قاطع على أن الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم ... ".
قلت: رواية الفاكهي عن سعيد وابن أبي عمر عن سفيان موقوفة، وليست مرفوعة كما قال الشيخ! وقد بيّنت ذلك سابقاً.
وكأن (حلبي) عَرَف ذلك، ولهذا لم يُشر إلى هاتين الروايتين، ولو كانتا مرفوعتين فَلِم أغفلهما (حلبي)؛ ألأنهما لا تؤيدان مذهبه! هل هذه هي الأمانة العلمية؟!
3 - قال الشيخ إن سعيد بن منصور شك في رفعه، وهذا غير صحيح! فسعيد ابن منصور شك في لفظه، ولم يشك في رفعه.
4 - تعقب الشيخ الألباني الشيخ شعيب في تعليقه على رواية الذهبي في ((السير)): "وقد انفرد حذيفة بتخصيص الاعتكاف في المساجد الثلاثة"!
قال الشيخ الألباني: "وهذا يبطله قول ابن المسيب المذكور فتنبه ... فلا تغتر بمن لا غيرة له على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالف، والله عزّ وجلّ يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] ".
قلت: كيف يبطله، والمحفوظ من حديث ابن المسيب: ((لا اعتكاف إلا في مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم))، وقد بيّنت ذلك فيما سبق.
وغفر الله للشيخ الألباني كيف كانت اتهاماته جاهزة لمن يخالفه!! وكأنه هو الوحيد الذي عنده غَيرة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم!
والحمدُ للهِ أولاً وآخراً.
وكتب: د. خالد الحايك.
1/ 3/1430 هـ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي:
[1] مُشكل الآثار: (4/ 20).
[2] معجم شيوخ الإسماعيلي: (3/ 720)
[3] السنن الكبرى: (4/ 316).
[4] التحقيق في أحاديث الخلاف: (2/ 109)، رقم (1181). وكأنه رواه من سنن سعيد بن منصور.
[5] مصنف عبدالرزاق: (4/ 348). ورواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (9/ 350) رقم (9511) عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبدالرزاق، به.
[6] أخبار مكة: (2/ 149).
[7] مثل الشيخ سليمان العلوان كما في كلام له على شبكة الانترنت في ((ملتقى أهل الحديث)).
[8] ميزان الاعتدال: (6/ 180).
[9] المعجم الصغير: (2/ 121).
[10] انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: (9/ 66)، ميزان الاعتدال للذهبي: (7/ 86).
[11] تاريخ بغداد: (12/ 151).
[12] الجرح والتعديل: (8/ 290).
[13] الْمُحلّى: (5/ 195).
[14] المعرفة والتاريخ: (2/ 130).
[15] تقريب التهذيب: (ص 241).
[16] تهذيب التهذيب: (4/ 106). قلت: وقد أثبت بعض كِبار أهل العلم أن سفيان بن عُيينة قد تغير بأخرة، ولكن تغيره غير فاحشٍ، وهو مقصورٌ على الزيادة والنقص في الإسناد، وقد حققت هذه المسألة في بحثٍ خاصٍ تحت عنوان: (عِلل حديث سفيان بن عُيينة)، ولله الحمد والمنّة. وقول سفيان: "إني قد سمنت" يعني كثر لحمه وشحمه، وهو كناية عن الكِبَر في السنّ. وقد وهم بعض الباحثين المعاصرين بقوله: "سئمت" من السآمة!! وهارون بن معروف المروزي البغدادي الحافظ الثقة من أصحاب ابن عيينة، وهو أدرى الناس به.