تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أجمع أهل العلم على أن محل الاعتكاف في كلّ مسجد، ولا يختص بالمساجد الثلاثة:

قال الإمام مالك في ((الموطأ)) [65]: "الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه لا يكره الاعتكاف في كلّ مسجد يُجمع فيه".

وقال ابن عبدالبر في ((الاستذكار)) [66]: "وأجمعوا أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾.

فذهب قومٌ إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد، وإن كان لفظه العموم، فقالوا: (لا اعتكاف إلا في مسجد نبي، كالكعبة أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو بيت المقدس) لا غير! ورُوي هذا القول عن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب، ومن حجتهما أن الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معتكف في مسجده، وكان القصد والإشارة إلى نوع ذلك المسجد مما بناه نبيّ.

وقال آخرون: لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة؛ لأن الإشارة في الآيات عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد. رُوي هذا القول عن علي بن أبي طالب وابن مسعود، وبه قال عروة بن الزبير والحكم بن عيينة وحماد والزهري وأبو جعفر محمد بن علي، وهو أحد قولي مالك.

وقال آخرون: الاعتكاف في كل مسجد جائز.

رُوي عن سعيد بن جبير وأبي قلابة وإبراهيم النخعي وهمام بن الحارث وأبي سلمة بن عبدالرحمن وأبي الأحوص والشعبي، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والثوري، وهو أحد قولي مالك، وبه يقول ابن عُلية، وداود والطبري، وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد".

وقال ابن حزم في ((المحلَّى)) [67]: "والاعتكاف جائزٌ في كلّ مسجد جمعت فيه الجمعة أو لم تجمع، كان مسقفاً أو مكشوفاً، فإن كان لا يصلى فيه جماعة، ولا له إمام لزمه فرض الخروج لكلّ صلاة إلى المسجد تصلى فيه جماعة، إلا أن يبعد منه بُعداً يكون عليه فيه حرج، فلا يلزمه، وأما المرأة التي لا يلزمها فرض الجماعة فتعتكف فيه.

ولا يجوز الاعتكاف في رحبة المسجد إلا أن تكون منه، ولا يجوز للمرأة ولا للرجل أن يعتكفا أو أحدهما في مسجد داره، برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فعمَّ الله تعالى ولم يخص، فإن قيل: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً))، قلنا: نعم، بمعنى: أنه تجوز الصلاة فيها، وإلا فقد جاء النص والإجماع بأن البول والغائط جائز فيما عدا المسجد، فصح أنه ليس لما عدا المسجد حكم المسجد، فصح أن لا طاعة في إقامة في غير المسجد، فصح أن لا اعتكاف إلا في مسجد، وهذا يوجب ما قلنا.

وقد اختلف الناس في هذا: فقالت طائفة: لا اعتكاف إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ... وقالت طائفة: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة ... وصحَّ عن إبراهيم وسعيد بن جبير وأبي قلابة إباحة الاعتكاف في المساجد التي لا تصلى فيها الجمعة، وهو قولنا؛ لأن كل مسجد بني للصلاة فإقامة الصلاة فيه جائزة فهو مسجد جماعة.

وقالت طائفة: الاعتكاف جائز في كلّ مسجد، ويعتكف الرجل في مسجد بيته، روينا ذلك عن عبدالرزاق عن إسرائيل عن رجلٍ عن الشعبي قال: (لا بأس أن يعتكف الرجل في مسجد بيته)، وقال إبراهيم وأبو حنيفة: (تعتكف المرأة في مسجد بيتها).

أما من حَدَّ مسجد المدينة وحده، أو مسجد مكة ومسجد المدينة، أو المساجد الثلاثة أو المسجد الجامع، فأقوالٌ لا دليل على صحتها، فلا معنى لها، وهو تخصيصٌ لقول الله تعالى ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ ... " انتهى.

قلت: فهل هؤلاء الأئمة من الصحابة والتابعين لا يعرفون حديث حذيفة المرفوع حتى جاء (حلبي) فصححه لنا، وزعم أنه الحقّ، وهو السنة؟! فالاعتكاف في كلّ المساجد معروف عند أهل العلم، ولا يُعرف له مخالف إلا ما رُوي من قول حذيفة فقط!

· أوهام الشيخ الألباني – رحمه الله – في كلامه على حديث حذيفة في ((السلسلة الصحيحة)) رقم (2786).

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢١٢١