وقال في حاشية أخرى: "وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (4/ 36) تعليقاً على الرواية الموقوفة المتقدم ذكرها: ((ولو كان ثَمَّ حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ما خالفه)) يعني: ابن مسعود! قلت: فثبوت الحديث مرفوعاً يؤكد أن ابن مسعود ما خالفه إلا من حيث الفهم، كما أسلفت بيانه" انتهى.
قلت: في كلام حلبي هذا جملة من المغالطات و (الشبهات! – على رأيه -) والتعريض بعبدالله بن مسعود رضي الله عنه في فهمه للغة!!
1 - تأكيد حلبي على أن كلام ابن مسعود هو احتمال قد بيّنت وهاءه فيما سبق، وهو ليس كذلك.
2 - هناك شكٌّ في الرواية لم يَعرض له حلبي وكثيرٌ ممن تعرض للكلام على هذا الحديث، وقد سبق بيانه في المطلب الثاني، ولله الحمد.
3 - قوله بأن حذيفة جزم بنسبة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دونما تردد أو شك، وابن مسعود وضع احتمالات!! هذا الكلام فيه اتّهام لابن مسعود أنه يعارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاحتمالات! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم! فالصحابي رضي الله عنه إذا سمع الحديث مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ينقاد إليه لا أنه يضع الاحتمالات اللهمَّ إلا إذا كان عنده هو حديث مرفوع آخر، وإلا فلا يظن بابن مسعود هذا.
وقد تبيّن لنا بالدليل القاطع أن الصواب في هذا الحديث عدم نسبة الرفع إليه صلى الله عليه وسلم، وعندها تسقط (احتمالات) حلبي هذه!
4 - وأما ما نقله حلبي عن شيخنا أبي مالك محمد شقرة من كتابه ((إرشاد الساري)): "وابن مسعود كان يعلم ... " إلخ، إنما بناه الشيخ – حفظه الله - على صحة الرواية المرفوعة، وقد تبيّن عدم صحتها.
ثُمّ إن الفرضية بأن عبدالله قد شك وتردد، وعلم بأن حذيفة حفظ وهو لم يحفظ، وأن جماعة المعتكفين لا يعوّل عليهم في ذلك كما يعوّل على حذيفة، وإلا لرجع إليهم بالسؤال عن اعتكافهم، فيه نظر؛ لأن عبدالله لم يشك ولم يتردد كما بينته سابقاً، وأن عبدالله إنما اقتصر على عبارة واحدة فقط، وهي أن حذيفة أخطأ، وهم أصابوا.
ثُمّ إن جماعة المعتكفين هؤلاء إنما فيهم كثير من الصحابة، فكيف لا يُعول عليهم، ويعول على حذيفة وحده؟!
وأما أنه لو كان يعول عليهم لرجع إليهم بالسؤال فكان هذا يتجه لو كان حديث حذيفة مرفوعاً! أَمَا وقد تبيّن أنه من اجتهاد حذيفة، فلا داعي للرجوع إليهم؛ لأن الجميع يعرف أن الاعتكاف جائز في كلّ المساجد على أصله عندهم، ولهذا لم يَحْتَجْ إلى الرجوع إليهم؛ لأن ما طرحه حذيفة هو من اجتهاده.
5 - وأما الوجه الآخر الذي أتى به حلبي للرد على هذه الشبهة فهو ردّ (الشيخ الألباني)، ولم يُشر إلى ذلك!
والأدهى والأمر أن (حلبي) ارتضى هذا الجواب في متن كلامه، ثُم ردّه في الحاشية، وكلامه في ردّه إنما هو ردّ وتعريض (بفَهمِ شيخه الألباني)!!!
قال الشيخ الألباني – رحمه الله – في ((الصحيحة)) رقم (2786): "وقول ابن مسعود ليس نصاً في تخطئته لحذيفة في روايته للفظ الحديث، بل لعله خطّأه في استدلاله به على العكوف الذي أنكره حذيفة؛ لاحتمال أن يكون معنى الحديث عند ابن مسعود: لا اعتكاف كاملاً، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)). والله أعلم" انتهى.
فَسرَقَ حلبيّ هذا الوجه واحتج به، ثم ردّه في الحاشية بأن هذا الفهم منقوض لغوياً!!
قال: "ثُم وجهٌ آخر في الجواب عن هذه الشبهة: هو أن قول ابن مسعود رضي الله عنه في ردّه على حذيفة ليس نصّاً في تخطئة حذيفة في روايته للفظ الحديث، إنما قد خطَّأه في فهم الحديث واستدلاله به على العكوف الذي أنكره حذيفة، بدليل قول حذيفة له: ((وقد علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... )). ثم ذكره، فابن مسعود يعلم الحديث – كما قال له حذيفة – ووافقه ابنُ مسعود، لكنَّه يُخالف حُذيفة في فهمه! " انتهى.