قال: وتقول: انطلق بنا لعلنا نتحدث، أي كي نتحدث.
وقال ابن الأنباري:
- لعل تكون ترجياً.
- وتكون بمعنى: كي.
- وتكون ظناً، كقولك: لعلي أحج العام، معناه أظنني سأحج.
- وتكون بمعنى: عسى، تقول: لعل عبدالله أن يقوم، معناه عسى.
- وتكون بمعنى: الاستفهام، كقولك: لعلك تشتمني، فإنما قيل معناه: هل تشتمني.
وقال الإمام أبو إسحاق الثَّعلبيُّ المفسر في تفسيره المشهور عند ذكر تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: في لعلّ ست لغات: لَعَلْ وعَلْ ولَعن وعَن ورَغَنّ ولَعَا، ولها ستة أوجه هي من الله تعالى واجبة ومن الناس على معان: تكون بمعنى الاستفهام، كقول القائل: لعلك فعلت ذلك مستفهماً، وتكون بمعنى الظن، يقول: قام فلان، فيقال: لعل ذلك بمعنى أظن وأرى ذلك، وتكون بمعنى الإيجاب بمعنى ما أخلقه، كقولك: وقد وجبت الصلاة، فيقال لعل ذلك، أي: ما أخلقه، وتكون بمعنى الترجي والتمني، كقولك: لعل الله تعالى أن يرزقني مالاً، وتكون بمعنى عسى يكون ما يراد، كقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾، وتكون بمعنى كي على الجزاء، كقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾، أي: لكي يفقهون [52].
قلت: فهل بعد كلّ هذا يُوافق حلبي على قوله: إنها للترجي، والترجي هو توقع أمر ممكن، والتوقع نوع من أنواع الاحتمالات، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال كما يقول علماء الأصول؟!
فقول ابن مسعود لا يمكن أن يكون بمعنى الترجي والتمني الذي اختاره حلبي! وهو هنا بمعنى إما الاستفهام، أي: لعلك أخطأت ذلك مستفهماً، أو يكون بمعنى الظن، يقول: أظن وأرى أنك أخطأت وأصابوا.
ب- قال حلبي: "ثم هذا الاحتمال قسمه ابن مسعود إلى وجهين:
1 - نسيان أو خطأ حذيفة.
2 - حفظ أو صواب القوم المعتكفين.
فما هو المرجِّح لأحد هذين الاحتمالين؟
ليس من شكٍّ أن المرجح هو الحجة والدليل! فمن هو صاحب الحجة؟ أهو حذيفة الذي جزم بنسبة الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم دونما تردد أو شك؟ أم ابن مسعود الذي وضع احتمالات وتوقعات ليس فيها شيء نبوي مجزومٌ به؟!
((وابن مسعود رضي الله عنه كان يعلم – وهو يردُّ على حذيفة – أن أصحابه المعتكفين كانوا وفرة وجماعة، وأن حذيفة فردٌ واحدٌ، لكنه علم في قرارة نفسه – بدليل شكّه وتردده – أن حذيفة حفظ، وهو لم يحفظ، وأن جماعة المعتكفين لا يُعوَّلُ عليهم في ذلك كما يعوَّل على حذيفة، وإلا لرجع إليهم بالسؤال عن اعتكافهم)).
ثُم وجهٌ آخر في الجواب عن هذه الشبهة: هو أن قول ابن مسعود رضي الله عنه في ردّه على حذيفة ليس نصّاً في تخطئة حذيفة في روايته للفظ الحديث، إنما قد خطَّأه في فهم الحديث واستدلاله به على العكوف الذي أنكره حذيفة، بدليل قول حذيفة له: ((وقد علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... )). ثم ذكره، فابن مسعود يعلم الحديث – كما قال له حذيفة – ووافقه ابنُ مسعود، لكنَّه يُخالف حُذيفة في فهمه! ". انتهى كلامه.
وقال في الحاشية: "فيكون رضي الله عنه قد فهمه بمعنى: ((لا اعتكاف كاملاً إلا في المساجد الثلاثة))، فلا مجال لفهمه فهماً آخر يُغاير ظاهره سوى هذا الفهم!! ولكنه – حقّاً – فهمٌ منقوضٌ من الناحية اللغوية، إذ من المتفق عليه أن الأصل في الكلام الظاهر، ولا يدفع الظاهر إلا بدليل، ولا دليل هنا يُخرج نفي جنس الاعتكاف عن أي مسجد ويحصره بالمساجد الثلاثة عن ظاهر هذا اللفظ، إذ معنى ((لا)) هنا: أنها نافية للجنس، أي: جنس الاعتكاف بالكلية، ووجود ((إلا)) بعدها يحصر هذا النفي المطلق ويخصُّه بالمساجد الثلاثة الواردة في الحديث. فيبقى الحديث على دلالته العربية الصريحة الموافقة لظاهره دون ورود ما ينقله عن هذا الظاهر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات".