تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال في الحاشية: "فيكون رضي الله عنه قد فهمه بمعنى: ((لا اعتكاف كاملاً إلا في المساجد الثلاثة))، فلا مجال لفهمه فهماً آخر يُغاير ظاهره سوى هذا الفهم!! ولكنه – حقّاً – فهمٌ منقوضٌ من الناحية اللغوية، إذ من المتفق عليه أن الأصل في الكلام الظاهر، ولا يدفع الظاهر إلا بدليل، ولا دليل هنا يُخرج نفي جنس الاعتكاف عن أي مسجد ويحصره بالمساجد الثلاثة عن ظاهر هذا اللفظ، إذ معنى ((لا)) هنا: أنها نافية للجنس، أي: جنس الاعتكاف بالكلية، ووجود ((إلا)) بعدها يحصر هذا النفي المطلق ويخصُّه بالمساجد الثلاثة الواردة في الحديث. فيبقى الحديث على دلالته العربية الصريحة الموافقة لظاهره دون ورود ما ينقله عن هذا الظاهر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات".

قلت: فانظر – يرحمك الله – إلى تقريره لجواب الشيخ الألباني دون الإشارة إلى أنه هو صاحبه! ثُمّ رده! فإذا كان هذا منقوضاً لغوياً، فلم أتيت به يا حلبي وقررته واعتبرته وجهاً آخر في الرد على هذه الشبهة؟!!

ثُم إنّ كلام (حلبي) هذا (تعريضٌ) واضح بعربية الشيخ الألباني وبفهمه اللغوي! من خلال حشده معنى: "لا"، ووجود: "إلا"، وقوله في خاتمة كلامه: "فيبقى الحديث على دلالته العربية الصريحة الموافقة لظاهره، دون ورود ما ينقله عن هذا الظاهر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"!!

وهناك تهمة ملصقة بالشيخ الألباني بأن لغته العربية ليست بذاك المستوى بسبب أعجميته!! فلمَ يا (حلبي) تُعرّض به هكذا؟!

وعلى العموم فإن الشيخ الألباني – رحمه الله- قد أخطأ في حمله تخطئة عبدالله لحذيفة على الفهم والاستدلال؛ لأن الحديث الذي احتج به الشيخ الألباني: ((لا إيمان ... )) يختلف عن حديثنا هذا؛ لأن الأخير قد سمّى المساجد التي يكون فيها الاعتكاف وقد حصرها فيها، بعكس الحديث الأول.

وإن تعجب فعجب قول حلبي في الحاشية الثانية: "وقال الشوكاني ... قلت: فثبوت الحديث مرفوعاً يؤكد أن ابن مسعود ما خالفه إلا من حيث الفهم كما أسلفت بيانه".!!

ففي الحاشية السابقة ردّ على الشيخ الألباني هذا الفهم ونقضه! ثم جاء في الحاشية التالية ونَصَر هذا الفهم!! سبحان الله!! فهل يعي (حلبي) ما يقول وما يكتب؟!!

ثانياً: تقديم فهم ابن مسعود على فهم حذيفة:

قال حلبي: "فإن قيل: أليس ابن مسعود أفقه من حذيفة؟ فينبغي تقديمُ فهمه على فهمه!

فالجوابُ أن يُقال: ليس شكٌّ [كذا! وهو خطأ، والصواب: شكّاً] أن ابن مسعود أفقه؛ ولكن هذا لا يغضُّ من فهم حذيفة ودقة حفظه! كيف لا؟ وهو ((صاحب السر)) كما وصفه الحافظ الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (2/ 361) ووصفه أيضاً بأنه ((من نُجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم))!

ثم إنه من المعروف أن ليس شرط الفقيه أن يصيب في كل مسألة، خاصة إذا كان ظاهر النص يخالف فقهَه وفَهْمَهُ!

زد على ذلك أننا لسنا مُتعبّدين بفهم أحد كائناً من كان، سواءٌ أكان ابن مسعود أم غيره، إنما تُعُبِّدنا بنصِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه!

ومما يؤيد هذا من سيرة الصحابة ما رواه البخاري (346)، ومسلم (368) أن شقيق بن سلمة قال: ((كنت جالساً مع عبدالله بن مسعود، وأبي موسى، فقال أبو موسى: أرأيت يا أبا عبدالرحمن لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً! كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبدالله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهراً، فقال أبو موسى: فكيف تصنعُ بقول عمّار حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((كان يكفيك)) قال: ألم ترَ عمر لم يقنع بذلك؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيباً﴾ [المائدة: 6]؟. فما دَرَى عبدالله ما يقول، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا بَرَدَ على أحدهم الماءُ أن يدعهُ ويتيمَّم! فقلت لشقيق: فإنما كره عبدالله لهذا؟ قال: نعم)).

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢١١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢١١٤