تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أتظنّ يا (حلبي) أن البخاريّ – إمام الدنيا في الحديث - لا يعرف حديث حذيفة الذي صححته أنت؟!

قال ابن حجر في ((الفتح)) [50]: "والاعتكاف في المساجد كلها، أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد. (قوله: لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ الآية، ووجه الدلالة من الآية: أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به؛ لأنّ الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها".

وقال العيني في ((العمدة)) [51]: "الاعتكافُ يصحُّ في كلِّ مسجدٍ. رُوي ذلك عن النّخعيّ، وأبي سلمة، والشعبي، وهو قول أبي حنيفة، والثوريّ، والشافعي في الجديد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وهو قول مالك في الموطأ، وهو قول الجمهور، والبخاري أيضاً حيث استدل بعموم الآية في سائر المساجد. وقال صاحب الهِداية: الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة. وعن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه: أنه لا يصح إلا في مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس. وقال الزُّهريُّ والحكمُ وحماد: هو مخصوص بالمساجد التي يجمع فيها. وفي الذخيرة للمالكية: قال مالك: يعتكف في المسجد سواء أقيم فيه الجماعة أم لا. وفي المنتقى عن أبي يوسف: الاعتكاف الواجب لا يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة، والنفل يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة. وفي الينابيع: لا يجوز الاعتكاف الواجب إلا في مسجد له إمام ومؤذن معلوم يصلى فيه خمس صلوات، ورواه الحسن عن أبي حنيفة. ثُم أفضل الاعتكاف ما كان في المسجد الحرام، ثُم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ثُم في بيت المقدس، ثُم في المسجد الجامع، ثُم في المساجد التي يكثر أهلها ويعظم. وقال النووي: ويصح في سطح المسجد ورحبته كقولنا لأنهما من المسجد".

قلت: فهل هؤلاء الذين ذكرهم العيني من السلف وأئمة السنة لا يعرفون هذا الحديث يا حلبي، وأنت ببراعتك عرفت السنة؟!!

المسألة الثالثة: تفنيدُ مزاعم وشبهات سَمّاها حلبيّ دفع بها عن حديث حذيفة:

أولاً: إنكار ابن مسعود على حذيفة:

أ- قال حلبي تحت عنوان: (شبهات): "وقد أورد البعض شبهات على حديث حذيفة، نوردها ونورد الجواب عنها:

الأولى: أنَّ ابن مسعود أنكر على حذيفة قولَه بقولِه: ((لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا))!

فالجواب: أن هذا ليس نصّاً في تخطئة حذيفة، إذ ((لعل)) في لغة العرب تفيد الترجي، وهو توقعُ أمر ممكن، والتوقع نوعٌ من أنواع الاحتمالات! وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، كما يقول علماء الأصول! " انتهى.

قلت:

1 - هذه التي ذكرها حلبي لا تُسمى شبهات؛ لأن الشبهات شيء مذموم والورع اجتنابها كما في حديث النعمان بن بشير: ((فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعِرضه))، وإنما هي إشكالات، وهي موجودة في كثير من الأحاديث.

ولم يذكر لنا حلبي مَن صاحب هذه الشبهات أم هي (شبهات!) افتراضية من عنده؟!

2 - اختار حلبي معنى (لعل) الذي في الحديث أنها للترجي، وهذا منه: إما جهلٌ باللغة، وإما تدليسٌ وتلبيسٌ على القارئ لنصرة مذهبه!!

نعم، لعل تأتي بمعنى الترجي، ولكن ليس هنا! ثُمّ ما معنى الترجي الواقع هنا؟! هل معنى كلام ابن مسعود يقع على الترجي؟! وما هو الذي يرتجيه من حذيفة؟! فهل يقصد: أرجو أن تكون نسيت، وهم قد حفظوا، أو أرجو أن تكون أخطأت، وهم قد أصابوا؟! هل يظنّ بابن مسعود هذا الفهم؟!!

قال الإمامُ أبو منصورٍ الأَزهريُّ: عل ولعل حرفان وضعا للترجي في قول النحويين، وقال يونس في قول الله تعالى: ﴿فلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ و ﴿فلعلك تارك بعض ما يُوحى إليك﴾ قال: معناه: كأنك فاعلٌ ذلك إن لم يؤمنوا.

قال: ولعل لها مواضع في كلام العرب، من ذلك: قوله تعالى ﴿لعلكم تذكرون﴾ و ﴿لعلكم تتقون﴾ و ﴿لعله يتذكر﴾، قال: معناها: كي، كقولك: إبعث إليّ بدابتك لَعلي أركبها، بمعنى كي.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢١١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢١١١