قال حلبي (ص 29) معقباً على هذا: "قلت: رحم الله الإمام الشافعي القائل: ((وليس يُخالف الحديثُ القرآن، ولكن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبين ما أراد: خاصاً وعاماً، وناسخاً ومنسوخاً، ثم يلزم الناس ما سُنَّ بفرض الله، فمَنْ قَبِلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قَبِلَ)).
ولقد وَرَدَ – ولله الحمد والمنة – حديثٌ نبويٌّ مرفوع صحيحٌ يخصص الآية المذكورة، ويحلُّ النّزاع الذي أوردناه بين أهل العلم لعدم وقوفهم على حديث يخصص الآية كما قالوا!
ولقد قال الإمام الشافعي – رحمه الله -: ((ما من أحد إلا وتذهب عليه سنةٌ لرسول الله وتعزُب عنه، فمهما قلت من قول: أو أصلت من أصل، فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقولُ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي)).
وهذا هو المنهج العملي لسائر الأئمة – رحمهم الله -؛ فقد قال ابن وهب: سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك عليه الناس، قال: فتركته حتى خفَّ الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة! فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليثُ بن سعدٍ، وابنُ لَهيعة، وعَمرو بن الحارث، عن يَزيد بن عَمرو المعافري، عَنْ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ القرشيّ، قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْلُكُ بِخِنْصَرِهِ ما بينَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ)). فقال: إنّ هذا الحديث حسنٌ، وما سمعت به قط إلا الساعة، ثم سمعته بعد ذلك يُسألُ، فيأمر بتخليل الأصابع.
قلتُ: وهكذا الأمر عندنا اليوم في مسألة الموضع الذي يجوز فيه الاعتكاف:
أ- ليس الناس على ذلك!.
ب- عندنا في ذلك سنّة!.
ج- الحديث فيها حسنٌ بل صحيحٌ!.
د- لم يسمع به الناسُ، إلا قريباً!.
فهل هذا يجعلهم يردّون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمخالفته ما ألفوه، أم أنهم يقبلون حديثه صلى الله عليه وسلم ولو خالف عاداتهم وما هم فيه؟؟
نأخذ الجوابَ من سيرة العلماء وسلوكهم، فقد روى الإمام الشافعي – رحمه الله– يوماً حديثاً، وقال: إنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به، يا أبا عبدالله؟ فاضطرب الشافعيّ وقال: يا هذا! أرأيتني خارجاً من كنيسة؟! أرأيت في وسطي زناراً؟ أروي حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا آخذ به!!؟
وفي رواية أخرى قال: متى ما رويتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب!
فليس من شكٍّ أبداً أن كلّ منصف طالب حقٍّ إذا وقف على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح عنده، ولم يعارض بشيء ثابت، يجب عليه وجوباً أكيداً أن يأخذ به، ولو قال عنه الناس مهما قالوا!! فهل هو معاملته مع الناس؟؟ أم مع ربِّ الناس سبحانه؟؟
فإذا كان الأمر كذلك، فلا يلتفت إلى أقاويل المتقوّلين، ولا إلى تُرَّهات الزاعمين طالما أن معه السنة النبوية المشرفة! ". انتهى كلامه.
قلتُ: هذه طريقةٌ سقيمةٌ قائمة على المغالطات الفاسدة، والجهل بعلم الحديث، وتفصيل ذلك في الآتي:
1 - لا يجوز نقل كلام الأئمة ثم التعريض بهم! وكأنهم لا يعرفون أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالف القرآن!
فـ (حلبي) نقل كلام ابن رشد والنووي والجصاص، ثم أتى بكلام الشافعي النفيس ولكنه لا يصلح في هذا المقام، وهذه طريقة خبيثة منه يحاول فيها الالتفاف على القارئ لإقناعه أن كلامه هو الصواب!!!، فإذا ما قرأ القارئ كلام الشافعي سلّم له وأذعن لرأي حلبيّ، ولكن السؤال هو: هل ينفع الاستدلال بكلام الشافعي في هذا المقام؟! والجواب واضحٌ وبيّن.
ثُم إن هؤلاء الأئمة إذا ثبتت السنة عنه صلى الله عليه وسلم لا يتأخرون عن الأخذ بها، إلا إذا كان هناك سبب متجه عندهم، وكم من حديث صحيح رواه الأئمة ولم يعملوا به، وليس هذا مقام تفصيله، بل محلّه كتب الأصوليين والمذاهب.