تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم، لم يلقَ إبراهيم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة، ولكنه لم يسمع منها، فإنه دخل عليها وهو صغير.

وقد روى الترمذي من طريق شعبة عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم النخعي: أَسْنِدْ لي عن ابن مسعود؟ فقال: "إذا حدثتكم عن رجلٍ عن عبدالله بن مسعود فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبدالله فهو عن غير واحد عن عبدالله" [25].

وقال الحافظ أبو سعيد العلائي: "هو مكثرٌ من الإرسال، وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخصّ البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود" [26].

· المطلب الثاني: الاختلاف في متن حديث حذيفة، وبيان حقيقة الشكِّ الذي وقع فيه، وأثره في الفَهم:

وهذا الاختلاف في موضعين:

الموضع الأول:

في رواية محمد بن الفرج وعبدالرزاق: ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومسجد بيت المقدس)).

وفي رواية محمود بن آدم: ((لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام - أو قال: إلا في المساجد الثلاثة)).

وفي رواية سعيد بن منصور: ((المساجد الثلاثة - أو قال - مسجد الجماعة)).

وفي رواية سعيد بن عبدالرحمن ومحمد بن يحيى: ((المسجد الحرام، أو في المساجد الثلاثة: مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس)).

وفي رواية واصل الأحدب عن إبراهيم النخعي: ((المساجد الثلاثة)).

وفي رواية مغيرة بن مِقسم عن إبراهيم: ((مسجد جماعة)).

قلت: أَكثر الروايات على ذكر المساجد الثلاثة، وكأنه هو المحفوظ، وعلى كلِّ حَالٍ فإن كان هو المحفوظ أو أي لفظ آخر، فإننا رجّحنا أن هذا من اجتهاد حذيفة، فلا يَضرّ إذا كان رأيه المساجد الثلاثة أو المسجد الحرام، وإذا كان رأيه: ((مسجد جماعة))، فيعني: أنه قصد الناس الذين يعتكفون بين الدارين، وليسوا هم داخل المسجد، والله أعلم.

الموضع الثاني:

جاء في رواية محمد بن الفرج ومحمود بن آدم: قال عبدالله: ((لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا)).

وفي رواية عبدالرزاق: فقال له عبدالله: ((فلعلهم أصابوا وأخطأت وحفظوا ونسيت))!

وفي رواية واصل الأحدب وعبدالملك الأعور عن إبراهيم النخعي: قال عبدالله: ((لعلهم أصابوا وأخطأت)).

وفي رواية مغيرة عن إبراهيم: قال عبدالله: ((فلعلهم أصابوا وأخطأت أو حفظوا ونسيت)).

قلت: أما في حديث ابن عيينة فإنه بالشك دون خلاف، وما ذُكر في رواية عبدالرزاق في المطبوع بواو العطف فلا يصح، وكأنه من النُّسخ أو من الطباعة، والصواب أنه بالشك كما في رواية الآخرين.

وهذا الشك إنما هو من سفيان أيضاً، ولا يمكن أن نقول بأن ابن مسعود قاله؛ لأنه لا يتجه لُغوياً، وهو إنما قال عبارة واحدة فقط.

والذي أرجّحه أنه قال: ((لعلك أخطأت وأصابوا))، ويؤيده ما عند واصل وعبدالملك عن إبراهيم حيث إنهما ذكرا هذه العبارة فقط دون الشك.

وما جاء في رواية مغيرة عند إبراهيم يؤيد ما عند ابن عيينة، ولكن رواية اثنين من الثقات الملازمين لإبراهيم تقضي على هذه الرواية.

وعبارة: ((لعلك أخطأت وأصابوا)) تتوافق مع اجتهاد حذيفة في هذه المسألة، وليس كذلك عبارة: ((لعلك نسيت وحفظوا))؛ لأن هذه الأخيرة تتوافق مع المرفوع من الحديث، ومن هنا جاء شك ابن عيينة فيه، فلو كان الحديث مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فحينئذ لا مجال للخطأ والإصابة فيه، وإنما هو الحفظ أو النسيان، والاجتهاد لا مجال فيه للحفظ والنسيان، وإنما هو الإصابة أو الخطأ، والله أعلم.

· المطلب الثالث: مناقشة (عليّ حلبيّ) في تعليقه على هذا الحديث:

· المسألة الأولى: المغالطات الفاسدة، وبيان نكارة قصة منسوبة للإمام مالك:

نقل (حلبي) مذاهب أهل العلم في هذه المسألة، وذكر قول الجصاص في ((أحكام القرآن)): "وظاهر قوله ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ، ومن اقتصر به على بعضها، فعليه بإقامة الدلالة. وتخصيصه بمساجد الجماعات لا دلالة عليه. كما أن تخصيص من خصَّه بمساجد الأنبياء لما لم يكن عليه دليلٌ سقط اعتباره"!! إلى أن قال: " .. فغير جائز لنا تخصيص عموم الآية بما لا دلالة فيه على تخصيصها".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢١٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢١٠٤