إن هذا المجدد ليس ممن يقنعون باليسير، ويرضون بالدون، فيكتفي أحدهم بحفظ نفسه ومن تحت يده - إن استطاع - ثم يترك أمر الناس للناس! بل قد تعظمت همته واشتدت عزيمته فصار لا يطيق صبراً على الفساد والانحراف، وأقلق قلبه تسلط الظالمين والمفسدين وتوجيههم للحياة وفق ما يريدون، فآلى على نفسه أن يزاحمهم ما استطاع، ويشق الطريق للأخيار حتى يأخذوا دورهم في الحياة من جديد.
إن الذين تتحرك في نفوسهم الآمال والتطلعات كثيرون، ولكنهم يتناقدون ويتساقطون واحداً بعد الآخر كما تقدمت بهم الطريق وازدادت التحديات وكثرت المتاعب. ومن أجل ذلك تميز فرد أو أفراد بأنهم المجددون؛ لأنهم صابروا العقبات وغالبوها حتى غلبوها؛ لأن همتهم كانت أعظم من تلك العقبات: كانت تجديد الدين لهذه الأمة، وإعطاء المسلمين دورهم القيادي بين الأمم، مع تحقيق معنى انتمائهم للإسلام. لذلك فهم يمارسون دورهم العالمي من خلال دورهم الإسلامي، ويمارسون دورهم الإسلامي من خلال فئتهم الخاصة التي هي النواة الأولى للإصلاح المرتقب".
قال سليم (ص 14 - 17): " [وسنتناول بعض المعاني التي يقررها حديث التجديد] .... وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يبعث لهذه الأمة)): فيه أن هذا المبعوث لم يعد همه نفسه؛ فحسب، بل تجاوز ذلك ليعيش ((لهذه الأمة))، فإن هذا المجدد تعدى نطاق ذاته المحدود إلى الأفق الأرحب؛ ليؤثر في مجريات الأمور وواقع والأحداث من حوله، وليقود خطوات الأمة المسلمة في معركة الحياة، [نحو مراقي العزة والنصر]، ومن ثم يحدث التوازن في مسيرة الحياة البشرية كلها، ويأخذ الإسلام دوره في الوجود. فهو بهذا مجدّد للأمة الإسلامية بإيقاظها، وإعادة ثقتها بدينها، وردها إلى المنهج الصحيح. [و] هو مجرد للبشرية كلها: البشرية المتلهفة إلى العدالة [المتعطشة إلى] الإيمان، المحتاجة إلى [التوحيد والسنة] أكثر من حاجتها إلى الطعام والشراب والهواء.
إن المجدد ليس ممن يقنعون باليسير، [ويكتفون] بالدون، [فيرضى] أحدهم بحظ نفسه [وحفظها ومن يعول]-إن استطاع-، ثم يترك أمر الناس [فوضى لا سراة لهم (!)].
لقد تعاظمت همته، واشتدت عزيمته، [وقوي عوده]، فصار لا يطيق صبراً على الفساد والانحراف، وأقلق قلبه [الجور والظلم الذي ملأ الأرض طراً؛ فأبى إلا أن يشق الطريق، فكان كالنذير العريان؛ فإن الرائد لا يكذب أهله].
إن الذين تتحرك في نفوسهم الآمال والتطلعات كثيرون، ولكنهم يتناقصون ويتساقطون واحداً بعد الآخر كلما تقدمت بهم الطريق وازدادت التحديات وكثرت المتاعب؛ [فالقمم لا يرقاها إلا آحاد الناس (!)].
ومن أجل ذلك تميز فرد -أو أفراد- بأنهم المجددون؛ لأنهم صابروا العقبات [واصطبروا عليها]، وغالبوها حتى سلست بأيديهم أزمّة الأمور]؛ لأن همتهم أعظم من تلك العقبات: كانت تجديد الدين لهذه الأمة، [ليحتل] المسلمون دورهم القيادي [الريادي] بين الأمم.
لذلك فهم يمارسون دورهم [العالي] العالمي من خلال دورهم الإسلامي، ويمارسون دورهم الإسلامي من خلال الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية".
3 - قال محرر مجلة البيان (ص 25): "2 - أما «البعث» المذكور أنه يكون على رأس المائة، فإن البعث هو الإثارة والإرسال، فيكون المعنى: (إن الله يقيض لهذه الأمة على رأس المائة مجدداً، أي: أنّ هذا المجدد يتصدى في رأس المائة لنفع الأنام، وينتصب لنشر الأحكام) [هامش: مقدمة فيض القدير للمناوي، 1/ 10].
فليست ولادته ولا وفاته على رأس المائة، بل تجديده؛ ولذلك استغرب الإمام المناوي فهم بعض العلماء أن المبعوث يكون موته علىرأس القرن وقال: (وموته على رأس القرن أخذ لا بعث) [هامش: مقدمة فيض القدير للمناوي: 1/ 12].
قال ابن الأثير: (وإنما المراد بالذكر: من انقضت المائة وهو حي، عالم مشهور مشار إليه) [هامش: جامع الأصول: 11/ 324)].