تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: فلله درّ هذا الإمام، فكأنه - رحمه الله - كان يستشرف مستقبل المسلمين، فالذي خشيه قد حصل فعلاً، فصار مفهوم حب الوطن مفهوماً إقليمياً عنصرياً!!

قال الشيخ الألباني - رحمه الله - في ((السلسلة الضعيفة)) تحت حديث رقم (36) ((حبّ الوطن من الإيمان)): "ومعناه غير مستقيم إذ إن حب الوطن كحب النفس والمال ونحوه، كل ذلك غريزي في الإنسان لا يمدح بحبه ولا هو من لوازم الإيمان، ألا ترى أن الناس كلهم مشتركون في هذا الحبّ، لا فرق في ذلك بين مؤمنهم وكافرهم؟ ".

وقال الصغاني عن هذا الحديث: "موضوع"، وقال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)): "لم أقف عليه، ومعناه صحيح".

فتعقّبه القاري وردّه متعجباً! وقال: "لا تلازم بين حبّ الوطن وبين الإيمان"، قال: ورد أيضاً بقوله تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم﴾ الآية، فإنها دلت على حبهم وطنهم مع عدم تلبسهم بالإيمان، إذ ضمير عليهم للمنافقين، لكن انتصر له - أي للسخاوي- بعضهم بأنه ليس في كلامه أنه لا يحب الوطن إلا مؤمن، وإنما فيه أن حب الوطن لا ينافي الإيمان انتهى، كذا نقله القاري ثم عقبه بقوله: ولا يخفى أن معنى الحديث حب الوطن من علامة الإيمان، وهي لا تكون إلا إذا كان الحب مختصاً بالمؤمن، فإذا وجد فيه وفي غيره لا يصلح أن يكون علامة.

قال العجلوني: قوله ومعناه صحيح نظراً إلى قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا﴾ فصحت معارضته بقوله تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن أقتلوا﴾ الآية. الأظهر في معنى الحديث إن صح مبناه أن يُحمل على أن المراد بالوطن الجنة، فإنها المسكن الأول لأبينا آدم على خلاف فيه أنه خلق فيها أو أدخل بعدما تكمل وأتم، أو المراد به مكة فإنها أم القرى وقبلة العالم، أو الرجوع إلى الله تعالى على طريقة الصوفية فإنه المبدأ والمعاد كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾، أو المراد به الوطن المتعارف، ولكن بشرط أن يكون سبب حبه صلة أرحامه أو إحسانه إلى أهل بلده من فقرائه وأيتامه، ثم التحقيق أنه لا يلزم من كون الشيء علامة له اختصاصه به مطلقاً، بل يكفي غالباً، ألا ترى إلى حديث: ((حسن العهد من الإيمان))، و ((حب العرب من الإيمان))، مع أنهما يوجدان في أهل الكفران، انتهى. ثم رجّح العجلوني أن المراد به مكة.

قلت: طالما أن هذا الحديث موضوع، فلا حاجة إلى تأويله وبيان المراد منه.

فالأصل في المسلم أن يحبّ كل أرض مسلمة وكلّ أهلها، ولا يقصر حبه على الأرض التي ولد فيها أو يعيش فيها، فإن ذلك يدفعه إلى الكره والحقد والغلّ لغيره.

فمفهوم حب الأوطان والحنين إليها أمر جبليّ للإنسان، ولكن لا يقوده ذلك إلى تفرقة الأمة وجماعة المسلمين بما انتشر من تفضيل بعض الدول على بعض مما زاد الحنق بين المسلمين.

هذا واعلم أيها المسلم أن أهل العلم والحكمة ذكروا لحب الوطن مساوئاً! من باب "المحاسن والأضداد".

قال بعض حكماء الفلاسفة: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالاً غنمتم عقلاً كثيراً.

وقال آخر: لا يألف الوطن إلا ضيق العطن.

وقيل: لا توحشنك الغربة إذا آنستك النعمة.

وقيل: الفقير في الأهل مصروم، والغني في الغربة موصول.

وقيل: لا تستوحش من الغربة إذا أنست مصروماً.

وقيل: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم أنسك، واهجر وطنك ما نبت عنه نفسك. وأنشد بعضهم:

لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان

تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلاً بأهل وجيراناً بجيران

وقال آخر:

نبت بك الدار فسر آمنا ... فللفتى حيث انتهى دار

فحذار حذار أيها النّاس من الإسراف في مفهوم "حبّ الوطن" بالمعنى الإقليمي العنصري، وليكن حبك لجميع أرض المسلمين.

والمؤمنون في تراحُمهم وتعاطفهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر كما قال صلى الله عليه وسلم.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٠٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٠٥٣