فارقتَ أوطانك لأنه ... فارقك الخِل ولا ملكا
فأي أوطانِك أبكي دما ... ماءك أو طينك أو ظلكا
أو نفحات منك تأتي إذا ... دمعُ الندى تحتَ الدجى بلّكا
قال الزبير بن بكَّار: كانت ظبية تحت محمد بن أبي بكر بن مِسور، وكانت ذات مال ولا مال له، فخرج يطلب الرّزق فلما كان في موضع يُقال له: بلكثة، انصرف راجعاً فدخل إليها فقالت: الخير رجعت فقال شعراً:
بينما نحنُ بالبلاكثِ فالقاع سراعاً والعيسُ تهوي هَوّيا
خطرتْ خطرة على القلبِ من ذكراكِ وهناً فما استَطَعْتُ مُضِيا
ولو أن ما أهدَين لي كان شربةَ ... ببطن اللوى من وطب راع شفانيا
وأنشد أبو بكر بن دريد قال: أنشدني عمران الكلابي لرجل من قومه قال شعراً:
يحن إلى الرمل اليماني صبابةً ... وهذا لعمري لو رضيتُ كثيبُ
فأين الأراك الدّوح والسدر والغَضا ... ومستنجز عما يحب قريبُ
هناك تغنينا الحمامَ ويجتني ... جنا اللهو يحلو لي لنا ويطيبُ
وقال أعرابي:
أيا أثلاثِ القاع من بين توضحٍ ... حنيني إلى أظلالِكُن طويلُ
ويا أثلاثِ القاع قد مل صاحبي ... ثوائي فهل في ظلَكن مقيلُ
ويا أثلاث القاعِ ظاهر ما بدا ... على ما بقلبي شاهد ودليلُ
ويا أثلاث القاعِ قلبي موكل ... يكن وجدوى خَيْركن قليلُ
ألا هَلْ إلى شَمَّ الخزامى ونظرة ... إلى قرقري حتى الممات سبيلُ
وقال أعرابيٌ:
ألا حبَّذا والله لو تعلمانِه ... ظلالكما يا أيها الطَّللانِ
وماءكما العذب الذي لو شربتُهُ ... وبي صالبُ الحمى إذاً لشفاني
والشعر في الحنين إلى الوطن كثير جداً.
والمقصود من هذا أن الحنين يكون إلى الأرض التي ولد فيها الإنسان وله فيها ذكريات جميلة أو أحباب لا يستطيع أن ينساهم.
وقد تغيّر مفهوم الوطن في زماننا هذا، فمن أرض ولد فيها الإنسان إلى أرض أوسع من ذلك رسمها الاستعمار الذي قسّم البلاد الإسلامية إلى دويلات، فزرع بين شعوبها الكراهية والبغضاء!
فصارت النسبة إلى الأوطان من باب الإقليمية المقيتة والعنصرية المنتنة!! فظهرت تلك الدعوات: "الـ ... أولاً"، وعند أولئك: "الـ ... أولاً"! وهكذا.
فأصبح الانتماء والولاء لهذه الحدود التي خطها المستعمر! فالمسلم لا يهتم لغيره من المسلمين؛ لأنه يعتبر أن حبّ الوطن قائم على أرضه فقط!!
ولهذا وجدنا الكثير من المقالات التي تدعو لهذا وتكرّس هذا المفهوم المغلوط! ومنها ما قرأته مؤخراً لمفتي أحد البلاد، ومقاله انتشر على شبكة الانترنت، وهو في حقيقته ملفق من عدة مقالات، فإذا كان هذا المقال الذي لا يتعدى الصفحة الواحدة هذا حاله، فكيف بمن يؤصل لهذا في أكثر من ذلك؟!!
وقد أدرك بعض أهل العلم هذا المفهوم المغلوط عند الكلام على الحديث المكذوب على النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حبّ الوطن من الإيمان"!!!
يقول محمد جمال الدّين القاسمي في ((قواعد التحديث)) (ص 152 - 155) وهو يتحدث عن الحديث الموضوع: "ورأيت لبعض فضلاء العصر مقالة غرّاء في هذا الموضوع لا بأس بإيرادها تعزيزاً للمقام. قال - رعاه الله -: الحديث الموضوع هو المختلق المصنوع المنسوب إلى رسول الله زوراً وبهتاناً، وهو أشد خطراً على الدِّين وأنكى ضرراً بالمسلمين من تعصب أهل المشرقين والمغربين؛ لأنه يطرف الملة الحنيفية عن صراطها المستقيم ويقذف بها في غياهب الضلالات حتى ينكر الرجل أخاه والولد أباه، وتطير الأمة شعاعاً وتتفرق بداداً بداداً لالتباس الفضيلة وأفول شمس الهداية وانشعاب الأهواء وتباين الآراء ...
ثم قال: الغرض إحياء السنة وإماتة البدعة، ودرء المطاعن الأجنبية بشيء ليس من ديننا، وذلك بالوقوف على طائفة من الأحاديث الموضوعة التي يستدل بها الناس على عقيدة أو حكم أو فضيلة أو النهي عن رذيلة، ليتميز الخبيث من الطيب، ويبتعد حَملةُ القرآن، وخطباء المنابر، ووُعَّاظ المساجد، من رواة الأكاذيب المضادة للشرع والعقل باسم الدين وهم لا يشعرون. وفي مقدمة ذلك الأحاديث المشهورة على ألسنة العامة والخاصة في احتجاجهم وأمرهم ونهيهم، فإن ضررها عظيم وخطبها جسيم، وذلك كحديث: ((حب الوطن من الإيمان)) الذي لا يفهم منه بعد التأويل والتحليل إلا الحث على تفرق الجامعة الإسلامية، التي نُنشد ضالتها الآن! فإنه يقضي بتفضيل مسلمي مصر مثلاً على من سواهم، وإن من في الشام يُفضل إخوته هناك على غيرهم، وهكذا، وهو الانحلال بعينه، والتفرق المنهي عنه، والله يقول: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ ولم يقيد الأُخُوة بمكان، ويقول: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ وأقل ما فيه: تفويت فضيلة الإيثار".