تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: من شروط عمر - رضي الله عنه- التي اتفقت عليها الصحابة وسائر الفقهاء بعدهم: أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، وسموا الشعانين والباعوث، فإذا كانوا قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغ للمسلمين فعلها مع كونه أشد؟

الوجه الثالث: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني عن عمر أنه قال: "إياكم ورطانة الأعاجم! وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم! ".

وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر: "لا تدخلوا على المشركين يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم".

وعن ابن عمرو: "من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم" رواه البيهقي بالسند الصحيح.

وعن عمر - رضي الله عنه-: "اجتنبوا أعداء الله في أعيادهم".

وعن علي - رضي الله عنه- أنه كره موافقتهم في اسم العيد الذي ينفردون به فكيف بموافقتهم في العمل؟

وقد نص أحمد على معنى ما جاء عن عمر وعلي -رضي الله عنهما- من كراهة موافقتهم في اللغة والعيد، وتقدم قول القاضي: مسألة في المنع من حضور أعيادهم.

وقال الإمام أبو الحسن الآمدي المعروف بابن البغدادي في كتابه "عمدة الحاضر": "فصل: لا تجوز شهادة أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا، واحتج بقوله: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره، نص عليه".

وقال الخلال في "جامعه": "باب في كراهة خروج المسلمين في أعياد المشركين" وذكر عن مهنا قال: "سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد، مثل طور يابور ودير أيوب وأشباهه، يشهده المسلمون.

قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق، فلا بأس".

· سد الذرائع:

روى أبو داود بسندٍ صحيح من حديث ثَابِت بن الضَّحَّاكِ قال: «نَذَرَ رَجُلٌ على عَهْدِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وَثَنٌ من أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قالوا: لَا، قال: هل كان فيها عِيدٌ من أَعْيَادِهِمْ؟ قالوا: لَا، قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَوْفِ بِنَذْرِكَ فإنه لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ولافيما لَا يَمْلِكُ بن آدَمَ».

فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر أنه لم يكن في ذلك المكان أصناماً تعبد ولا عيداً من أعيادهم أذن له في إيفاء نذره، فدل ذلك على أن الذبح بمكان عيدهم، ومحل أوثانهم معصية لله، والحال أن السائل لم يرد أن يتخذ ذلك المكان عيداً، والقوم الذين كانوا هناك قد أسلموا وتركوا ذلك العيد، ومع ذلك سأل عن ذلك سداً للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم، وكي لا تكون سبباً في إحياء أعيادهم في تلك البقعة.

فكما استدل من أجاز التهنئة بأن الأصل في الأشياء الإباحة نقيد هذه الإباحة بسد الذريعة فإن الله تعالى "جبل بني آدم بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، إلى أن يئول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر.

ولهذا وقع التأثير في بني آدم واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة، وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعا من الحيوان اكتسب من بعض أخلاقه؛ ولهذا صار الفخر والخيلاء في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة، وكذلك الكلابون، وصار في الحيوان الإنسي بعض أخلاق الإنس وقلة النفرة، فالمشابهة في الأمور الظاهرة توجب المشابهة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضا مناسبة وائتلافا وإن بعد المكان والزمان، فمشاركتهم في أعيادهم يوجب نوعا من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مظنة لفساد أمر خفي علق الحكم به ودار التحريم عليه".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٠٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٠٤٦