· معنى العيد:
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى-: "العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد. فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة وغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيدا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام العيد فيها عيدا. وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية. فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى، كما عوضهم من أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر".
فكل قوم كان لهم أعياد يجتمعون فيها، وكان الناس في الجاهلية كذلك أيضاًن ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يجتمعون في أعيادهم، فشرع لنا عيد الفطر والأضحى.
ففي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وذلك يوم عيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا" وفي رواية: دعهما يا أبا بكر.
فقوله: إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم؛ كقوله - تعالى- وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا لأن اللام تورث الاختصاص، فلا نشركهم في عيدهم كما لا نشركهم في شرعتهم، ولا ندعهم يشركوننا.
وقوله: "هذا عيدنا" يقتضي حصر عيدنا في هذا، فليس لنا عيد سواه، وكذلك قوله: وإن عيدنا هذا اليوم، فإن التعريف بالإضافة واللام يقتضي الاستغراق، فيكون جنس عيدنا منحصرا في جنس ذلك اليوم، كقوله: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
ومن هذا الباب: قوله صلى الله عليه وسلم: يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب رواه أبو داود والترمذي وصححه، فيدل على مفارقتنا لغيرنا في العيد، واختصاصنا بهذه الأيام الخمسة، وأيضا فإنه علل الرخصة باللعب بكونه يوم عيدنا، فدل على أنه لا يرخص فيه في عيد الكفار، فإنه لو ساغ ذلك لم يكن قوله: لكل قوم عيد فيه فائدة. (المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم، ص: 87).
ومما يرد به على مسألة التعايش مع اليهود والنصاري: "أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى حتى أجلاهم عمر - رضي الله عنه- وكان اليهود بالمدينة كُثُرا في حياته صلى الله عليه وسلم وكذلك كان في اليمن يهود، ونصارى بنجران، والفرس بالبحرين، وكان لهم أعياد، والمقتضي لما يفعل في العيد من الأكل والشرب واللباس والزينة واللعب والراحة قائم في نفوس الناس، ثم من كان له خبرة بالسيرة يعلم أن المسلمين لم يكونوا يشاركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد الكفار، بل ذلك اليوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند المسلمين يوم لا يخصونه بشيء أصلا إلا ما قد اختلف فيه من مخالفتهم فيه كصومه، فلولا أنه كان من دين المسلمين الذي تلقوه عن نبيهم منع من ذلك وكف عنه لوجب أن يوجد من بعضهم فعل بعض ذلك، فدل على المنع منه ثم جرى الأمر على عهد الخلفاء الراشدين كما كان في عهده، حتى كان عمر ينهى عن الدخول عليهم يوم عيدهم، فكيف لو كان أحد يفعل كفعلهم، بل لما ظهر من بعض المسلمين اختصاص يوم عيدهم بصوم مخالفة لهم نهى الفقهاء أو كثير منهم عن ذلك لأجل ما فيه من تعظيم عيدهم، أفلا يستدل بهذا على أن المسلمين تلقوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم المنع من مشاركتهم في أعيادهم، وهذا بعد التأمل بين جداً".
وقد نقل ابن تيمة الإجماع على ذلك، فقال:
وأما الإجماع والآثار فمن وجوه:
أحدها: ما تقدم التنبيه عليه من أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية، يفعلون أعيادهم التي لهم والمقتضي لبعض ما يفعلونه قائم في كثير من النفوس، ثم لم يكن على عهد السلف من المسلمين من يشركهم في شيء من ذلك، فلولا قيام المانع في نفوس الأمة كراهة ونهيا، وإلا لوقع ذلك كثيرا؛ إذ الفعل مع وجود مقتضيه وعدم منافيه واقع.