ومن آثار الصحوة الإسلامية في هذه الأيام حرص بعض أبناء الأمة على محاربة ذلك، فينشرون الوعي بين الناس ويحذرونهم من اللهث وراء هؤلاء في أعيادهم، ولكن الرزية كل الرزية أن تجد بعض الفتاوى من بعض من يعدّ من العلماء أو من الذين يحملون الشهادات الجامعية في الشريعة يجيزون تهنئة هؤلاء المسيحيين في أعيادهم متعللين بأدلة أوهى من بيت العنكبوت! وهذه الفتاوى – وإن اقتصرت – على التهنئة فقط إلا أنها بداية إلى الانخراط في أشياء لا يدرك عواقبها هؤلاء المفتين، والله المستعان.
· فتوى د. شرف القضاة وموافقة د. صلاح الخالدي له:
منذ يومين أرسل إليّ بعض الإخوة فتوى للأستاذ الدكتور شرف القضاة – أستاذ الحديث في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية- تحت عنوان: "تهنئة المسيحيين بأعيادهم"، وهذا نصّها:
"يكثر السؤال في هذه الأيام عن حكم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، وللجواب عن ذلك أقول: إن الأصل في هذا الإباحة، ولم يرد ما ينهى عن ذلك. وكل ما سمعته أو قرأته لمن يحرمون هذه التهنئة أن في التهنئة إقراراً لهم على دينهم الذي نعتقد أنه محرف. ولكن الصحيح أنه لا يوجد في التهنئة أي إقرار، لما يلي:
1 - لأننا لا نَعُدُّ تهنئتهم لنا بأعيادنا إقرارا منهم بأن الإسلام هو الصحيح، فالمسلم لا يقصد بالتهنئة إقراراً على الدين، ولا هم يفهمون منا ذلك.
2 - لأن الله تعالى أمرنا بمعاملتهم بالحسنى، فقال تعالى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ انْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا الَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ والبر هو الخير عموما، فقد أمرنا الله تعالى بمعاملتهم بالخير كله، فتكون معاملتهم بالخير ليست جائزة فقط بل هي مستحبة، فكيف يحرم بعد ذلك تهنئتهم بنحو قولك: كل عام وأنتم بخير، فإننا لا شك نحب لهم الخير، وقد أمرنا الله بذلك.
3 - لأن الله تعالى شرع لنا التحالف معهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة المنورة.
4 - لأن الله تعالى شرع لنا زيارتهم في بيوتهم واستقبالهم في بيوتنا، والأكل من طعامهم، بل والزواج منهم، مع ما في الزواج من مودة ورحمة، ولا يقال: إن في ذلك كله نوعا من الإقرار لهم بأن دينهم هو الحق، فكيف يجوز ذلك كله ولا تجوز تهنئتهم!!! 22/ 12/2011".
وقد سئِل الدكتور صلاح الخالدي – أستاذ التفسير في الجامعة الإسلامية العالمية- عن هذه الفتوى فأيدها في كلمة مسجلة له على صفحته في (الفيسبوك)! وكان مما قال: "إن الدكتور شرف من العلماء وأهل العلم العاملين وأن له محبين كثر ... وهذه المسالة لم يأتي فيها نصر صريح لا من القرآن والسنة، فهو حسب القاعدة الأصولية: الأصل في الأشياء الإباحة .. ونحن نحترم العلماء السابقين وما صدر منهم هو اجتهاد، ومن خالف في ذلك فعليه أن يأتينا بنص صريح على حرمة التهنئة".
أقول:
كون الأستاذ الدكتور فلان أو فلان يحمل شهادة جامعية في التخصص الشرعي وأن له محبين كثر لا يعني أن ما يقوله هو الصحيح!!
وسنناقش كلام الأستاذين فيما يأتي إن شاء الله.
· من أفتى بجواز تهنئة الكفّار في زماننا هذا:
وممن أفتى بجواز التهنئة – وما أظن الأساتذة إلا تبع لهم- في هذا العصر: الدكتور يوسف القرضاوي حيث يرى أن تغير الأوضاع العالمية، هو الذي جعلني أخالف شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريمه تهنئة النصارى وغيرهم بأعيادهم، وأجيز ذلك إذا كانوا مسالمين للمسلمين، وخصوصاً من كان بينه وبين المسلم صلة خاصة، كالأقارب والجيران في المسكن، والزملاء في الدراسة، والرفقاء في العمل ونحوها، وهو من البر الذي لم ينهنا الله عنه. بل يحبه كما يحب الإقساط إليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الممتحنة. ولا سيّما إذا كانوا هم يهنئون المسلمون بأعيادهم، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. [النساء:86].