تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالَ أَبُو عَبْدِاللَّهِ ابن بطّة - رَحِمَهُ اللَّهُ-: "فَأَقُولُ - وَاللَّهُ الْعَالِمُ -: لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَنْعَمَ نَظَرَهُ، وَمَيَّزَ فِكْرَهُ، وَسَمَا بِطَرْفِهِ، وَاسْتَقْصَى بِجَهْدِهِ، طَالِبًا خَصْلَةً وَاحِدَةً فِي أَحَدٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَالْمُتَصَدِّرِينَ لِلْفَتْوَى فِيهَا لَمَا وَجَدَهَا. بَلْ لَوْ أَرَادَ أَضْدَادَهَا وَالْمَكْرُوهَ وَالْمَرْذُولَ مِنْ سَجَايَا دَنَاءَةِ النَّاسِ وَأَفْعَالِهِمْ فِيهِمْ لَوَجَدَ ذَلِكَ مُتَكَاثِفًا مُتَضَاعِفًا. وَاللَّهَ نَسْأَلُ صَفْحًا جَمِيلًا وَعَفْوًا كَثِيرًا".

وروى من طريق ابن أَبِي أُوَيْسٍ، عَن أَخِيهِ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: "أَدْرَكْتُ الْفُقَهَاءَ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ أَنْ يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلْفَتْوَى، وَلا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى إِلا الْمَوْثُوقُ فِي عَفَافِهِ وَعَقْلِهِ وَصَلاحِهِ وَدِينِهِ وَوَرَعِهِ وَفِقْهِهِ وَحِلْمِهِ وَرِفْقِهِ وَعِلْمِهِ بِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَالْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، عَالِمًا بِالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ، وَبِمَنْ نَقَلَهَا، وَالْمَعْمُولِ بِهِ مِنْهَا وَالْمَتْرُوكِ، عَالِمًا بِوُجُوهِ الْفِقْهِ الَّتِي فِيهَا الْأَحْكَامُ، عَالِمًا بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَإِنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ رَأْي لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَحَادِيثِ وَالِاخْتِلَافِ. وَلا صَاحِبُ حَدِيثٍ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِالْفِقْهِ وَالِاخْتِلَافِ وَوُجُوهِ الْكَلَامِ فِيهِ، وَلَيْسَ يَسْتَقِيمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ. قَالُوا: وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالصَّلَاحِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ إِلا أَنَّ طُعْمَتَهُ مِنَ النَّاسِ وَحَاجَاتِهِ مُنَّزَّلَةٌ بِهِمْ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلْفَتْوَى، ولا مَوْثُوقٍ بِهِ فِي فَتْوَاهُ، وَلا مَأْمُونٍ عَلَى النَّاسِ فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ".

قلت: فإذا كان الأمر كذلك، فما بالك فيمن تتبع شواذ الفتاوى، أو كانت كل فتاواه شاذة؟!!

يقول ابن عبدالبر: "ما تتبع إنسان شواذ المسائل إلا وحرم العلم"؛ وذلك لأنه يقضي عمره في تتبع تلك الشواذ، وفي إثارة الشواذ سواء أكانت مُتتبعة أم من فتاوى الشخص إن في إثارتها إحداث الفتن بين الناس.

ولقد جاء عن الأوزاعي أنه قال: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام"، أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» رقم (20918) من طريق محمد بن شعيب بن شابور عن الأوزاعي، به.

قال ابن القيم - رحمه الله-: "قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدام مَن لا علم عنده على الفتيا، وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة، وسوء السيرة، وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر، أو غريب فليس له في معرفة الكتاب والسنَّة، وآثار السلف، نصيب".

روى الإمام مالك في «الموطأ» عَن سَالِمِ بنِ عَبْدِاللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَبْدَاللَّهِ بنَ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ قَوْمٌ مُحْرِمُونَ بِالرَّبَذَةِ، فَاسْتَفْتَوْهُ فِي لَحْمِ صَيْدٍ وَجَدُوا نَاسًا أَحِلَّةً يَأْكُلُونَهُ، فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: بِمَ أَفْتَيْتَهُمْ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَفْتَيْتُهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: "لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لأوْجَعْتُكَ".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٠٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٠٣٥