تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أقول: وما شأن العدل في مسألة التهنئة؟! فهل إذا منعنا تهنئتهم نكون قد ظلمناهم ولم نعدل بينهم؟!!

إن هذا لقولٌ عُجاب!!

نعم، القِسْط هو: العَدْل، ورجل مُقْسِط، أَي عَادل. والقِسْط: الجَوْر، رجل قاسط، أَي جَائِر، وَكَذَا فُسِّر فِي التَّنْزِيل قَوْله جلّ وعزّ: ﴿إنّ الله يُحِبُّ المُقْسِطين﴾ يَعْنِي العادلين.

والإقْساط الْعدْل فِي الْقِسْمَة وَالْحكم، يُقَال: أقْسَطْتُ بَينهم وأقْسَطْتُ إِلَيْهِم، وَقد أخذَ كلُّ واحدٍ مِنْهُم قِسْطَهُ أَي: حِصَّتَهُ، وَقد تَقَسَّطُوا الشَّيْء بَينهم أَي اقْتَسَمُوهُ على السواءِ والعدلِ.

ولنعرض للدكتور أين جاءت هذه الآيات ومعناها في القرآن الكريم:

قال سبحانه مخاطباً نبيه إذا أتاه اليهود ليحكموه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الزاني المحصن عندهم فوجد في التوراة أنه الرجم كما جاء في شريعتنا فحكم به.

وقال تعالى في اقتتال المؤمنين: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

وبعد أن ذكر الله عز وجل الاقتتال بين فئتين مؤمنتين واعتداء وجور إحداهما، والأمر بقتالها حتى تعود إلى أمر الله، أمر سبحانه بالقسط بينهم فقال: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أي اعدلوا بينهما.

فاللَّهَ عزّ وجلّ يُحِبُّ الْعَامِلِينَ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ النَّاسِ، الْقَاضِينَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَأَمَرَ أَنْبِيَاءَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم.

فالعدل أمر ثابت في الشرع مأمور به في كل الأحوال وبين كل النّاس، وهذا لا ينكره أحد، والأمر به في الآية التي استدل بها الدكتور لا علاقة له بالمسألة التي هي محل النزاع، وهي تهنئة الكفار بأعيادهم؛ بل إن الآية حجة عليه في مقولته!! فالله عز وجل أجاز الصلة لهؤلاء الكفار من المسلمين ليكون سبباً في إسلامهم، ولا شك أن حسن المعاملة تؤثر في النفوس، وكذلك أمر بأن نعدل فيهم، ولا نغمطهم حقوقهم، وهذا لا علاقة له بكفرهم وأعيادهم، وغير ذلك.

· التجني على آيات الكتاب المبين!

الثالثة: "ومن لطيف التعبير في هذه الآية الكريمة: أنها جاءت بنفي النهي عن الإحسان والعدل، وليس بالأمر الصريح بهما؛ لأن الله تعالى يعلم أن الفطرة السوية التي فطرها سبحانه تميل إلى حب الإحسان والعدل مع غير المعتدي، فالنفوس الصحيحة تميل إلى ذلك بغير حث ولا تشجيع، ويكفيها بيان عدم النهي عنه ورفع التأثيم عليه لتسعى إليه وتعمل به. فجاء التعبير بعدم النهي، اكتفاء بدلالة الفطرة على حب هذا الفعل الفاضل! ".

أقول: هذا الكلام فيه افتراء على الله عزّ وجلّ، والعياذ بالله!!

فقد قرر الدكتور أن الفطرة السوية التي فطرها سبحانه تميل إلى حب الإحسان والعدل مع غير المعتدي!! فنسب ذلك إلى الله خلقة! ثم جعل من يميل إلى حب الإحسان والعدل (!) مع غير المعتدي فطرته سوية، ومفهوم المخالفة أن من أبغضهم فطرته ليست سوية!!

وإنما أُتي الدكتور من تمييعه للنصوص الشرعية وميله إلى حبّ غير المسلمين، ولهذا وضع الشيء في غير محله.

والنهي في الآية ﴿لا ينهاكم﴾ للإباحة وليس للوجوب ولا للاستحباب، فمن لم يفعل أصاب للكفر المانع رضى لله تعالى ولذلك ترك الله عز وجل الآية للإباحة لعلة الكفر والبراء فيه المتبقية.

فالآية تضم صنفان من الأعداء والكفار: مسالمٌ ومحارب! والمسالم - سواء كان ذمياً أو مهادناً أو معاهداً- لم ينهنا الله أن نبره ونحسن إليه. والإقساط إليهم يكون بإعطائهم المال وغيره. وأما المحارب فالإقساط يكون بمحاربته وإذلاله.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٠١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٠١٦