تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما دعوى الإجماع على تحريم مطلق تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية فهي دعوى مستغربة، لعدم ورود نص فيها يلزم التسليم له حتى لو لم نعرف علته. فلا ورد في القرآن ولا جاء في السنة دليل خاص يدل على حرمة تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية، مما يدل على أن الإجماع المنقول إذا تحقق، فلا بد أن يكون مستنداً إلى أصول شرعية عامة وقواعد يقينية معلومة، وليس حكما تعبديا لا نعرف له علة ولا حكمة. ولذلك فإني أستغرب ممن يدعي الإجماع على تحريم مطلق التهنئة ولو بلفظ لا يدل على الرضا بالدين، بل ربما كان صريحا بعدم الرضا، كأن يهنئه المسلم شفاهة أو برسالة أو ببطاقة معايدة يكتب فيها: كل عام وأنت بخير، وكم أتمنى أن تنعم بالإسلام ورحمته! فأين هذه العبارة ونحوها من إيهام الرضا عن الدين؟!! وأعود مستغربا ممن يدعي تحقق الإجماع السكوتي في مسألة لا نص فيها كما سبق، نعم .. أستغرب ممن لا يقبل قول العالم إلا بدليل، ويعدّ اجتهاده من غير استدلال اجتهادا مرفوضا، ثم هو نفسه يقبل منه ما هو أشد من مجرد الاجتهاد بغير استدلال، وهو أن يزعم الإجماع. فما أن يدعي هذا العالم الإجماع حتى يصبح اجتهاده ليس فقط مقبولا بغير استدلال، بل يصبح اجتهادا لا تجوز مخالفته، وبغير استدلال أيضا؛ إلا من دعواه الإجماع! فكيف يكون اجتهاد العالم مردودا بغير استدلال، في حين أنه هو نفسه سيكون اجتهاده مقبولا وواجبا بل سيكون ملزما غيره مع أنه مازال اجتهادا بغير استدلال أيضا، إلا من دعواه الإجماع؟!

إن تحقيق الإجماع وإثبات حصوله كما أنه سياج مهم يحمي الشريعة من تطاول شطحات الاجتهاد، خاصة عند شيوع الجهل واتخاذ الرؤوس الجهلاء. إلا أن السماح لدعاواه التي لا دليل عليها، يفتح مجال التشريع بما لم يأذن به الله، ويضيف إلى مصادر التشريع مصدرا لا علاقة له بالوحي ولا بمصادر التشريع المجمع عليها؛ إلا من دعوى عدم العلم بالمخالف، حتى في الأمر الذي ليس فيه نص، ولا هو مما يستحيل عادة عدم نقل خلافه لو وقع، ولا توجب غلبة الظن نقله في أقل تقدير.

وهنا في مسألة حكم تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية: أتمنى أن يذكر لي المتعصبون للتحريم سلفهم عليه من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى ننظر هل هناك قول صحيح ومشتهر لهم في المسألة، مع عدم العلم بمخالفهم؟

أعيد التحدي بصورة واضحة: بعد الاتفاق على عدم وجود نص صريح في الكتاب والسنة يدل على حرمة تهنئة الكفار بأعيادهم، هل هناك آثار عن الصحابة أو التابعين أو تابعيهم تدل على تحريم هذه التهنئة (لا على حضور الأعياد وشهودها، فهذه مسألة غير مسألة التهنئة)، تدل على شهرة هذه المسألة بينهم، مما يصح بعد عدم وجود المخالف أن ندعي الإجماع عليها.

أما المطالبة بإيجاد نص عن السلف بالإباحة مع عدم وجود نص عنهم على التحريم، فهو جهل بطرائق الاستدلال؛ لأن على مدعي الإجماع البينة على دعواه، وإلا فستكون دعواه باطلة، وترجع المسألة بعد بطلان الإجماع إلى النصوص العامة وأصول الشريعة لاستخراج حكمها منها.

وهنا أنبه أنه لو كان هناك من حرم التهنئة من السلف، فمجرد الوجود لا يدل على حصول الإجماع؛ فإن عدم العلم بوجود من أباحها لا يدل على عدم وجوده في الواقع (عدم العلم لا يدل على العدم)، خاصة في مثل هذه المسألة، التي تفتقر للنقل فيها لمن قال بالتحريم من السلف، والذي لا بد أن يكون نقلا يدل على شهرة هذا القول بينهم، حتى يمكن الاستدلال بعدم وجود المخالف على عدم وجوده، ظنا غالبا أو يقينا.

فللإجماع السكوتي شرط لصحة الاحتجاج به، وهو غير متوفر في هذه المسألة! فيكفيك ضعف النقل فيها في جانب التحريم الذي تدعي عليه الإجماع.

وأما كلام ابن القيم الذي جعله المتعصبون للتحريم دليلا لتعصبهم (لا لترجيحهم) فهو قوله في كتابه (أحكام أهل الذمة): ((فصل في تهنئتهم بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك، وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرة، ومنعها أخرى. والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة، ولا فرق بينهما. ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم: متعك الله بدينك أو نيحك فيه، أو يقول له: أعزك الله أو أكرمك. إلا أن يقول: أكرمك الله بالإسلام، وأعزك به، ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة. وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده، يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل. فمن هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه. وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنبا لمقت الله وسقوطهم من عينه وإن بلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعا لشر يتوقعه منهم فمشى إليهم ولم يقل إلا خيرا ودعا لهم بالتوفيق والتسديد فلا بأس بذلك وبالله التوفيق)). انتهى كلامه (رحمه الله)، وهو صحيح لا إشكال فيه، لمن وفقه الله في فهمه.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٠١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٠١٢