تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

السنوسي وأتباعه

إن اهتمام أوربا بالشيخ محمد المهدي السنوسي وأتباعه قد جعل له شأنا كبيرا

في جميع العالم الإسلامي , وقد نشرت جريدة (دي كولوني) الألمانية كلاما عن

عالم ألماني خبير بأحوال أفريقيا عامة والسنوسيين خاصة، أثبت فيه أن عددهم

يبلغ تسعة ملايين، وأن في وسعهم إنفاذ جيش إلى مصر والسودان مؤلف من

خمسمائة ألف مقاتل، وذكر مجملا نافعا من تاريخهم عربته جريدة المؤيد عن جريدة

الميوريال وهو:

إن طريقة السنوسية مهمة جدا من حيث انتشارها السياسي في أفريقية

ومن حيث الكفاح القائم بين الديانتين الإسلامية والمسيحية في هذه القارة , وقد

أنشئت هذه الطريقة منذ خمسين عاما تقريبا أي في عام 1855 بواحة جغبوب

وواضع أساسها هو الشيخ محمد بن علي السنوسي المولود في عام 1819 على

حدود الجزائر المتاخمة لمراكش وفي سنة 1830 بارح مسقط رأسه مشتعلا بنار

الضغينة على الفرنسويين الذين كانوا استولوا وقتئذ على تلك البلاد , ثم قضى بضع

سنوات بين مصر ومكة مدرسا علوم الدين إلى أن حط الرحال في واحة جغبوب

سنة 1855 وفيها لبث زمانا طويلا يلقي تلك الدروس على الطلاب العديدين الذين

نسلوا إليه من كل حدب وصوب على إثر اشتهاره بالتقوى والصلاح ورسوخ القدم

في العلم , ثم أنشأ المذهب الذي أصبح اليوم أقوى وأهم المذاهب الإسلامية في العالم

والغرض منه تنقية القواعد الدينية مما عراها من شوائب البدع والتصرفات السيئة

فيه وإرجاعها إلى بساطتها الأولى وتوطيد سيطرة الدين ونفوذه في جميع البلاد التي

كانت تابعة لحكومات إسلامية , ثم سقطت بيد المسيحيين.

وللمذهب نظام متين وترتيبات مرعية فالإخوان فيه يتعاهدون على حفظ

أسرار أعمالهم وصيانتها صيانة مطلقة , وعلى الطاعة العمياء لما يقرره الرئيس أو

الشيخ من الأوامر أو النواهي , وعلى الدقة في مراعاة قواعد الدين والعمل بها.

وليس للإخوان لباس خصوصي يتعارفون به , ولكن لهم رموزا وإشارات

يسهل عليهم بها معرفة بعضهم البعض , ومن أخص ما يمنعون استعماله شرب

الدخان وتناول القهوة , ومن مبادئ المذهب التي يبالغ رجاله في رعايتها والعمل بها

إنشاء المساجد والزوايا وإلى جانبها المدارس في البلاد المتوحشة أو التي تلمس أهلها

طريق المدنية , فيعلمون الأطفال فيها القراءة والكتابة والحساب , ويوقفونهم على

طريقة زراعة النخل وشجر الزيتون , وبهذه المعاملة الحسنة أصبح للحزب

السنوسي نصراء في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وبواسطة هؤلاء النصراء العديدين صار في سعة الشيخ أو الرئيس أن يقف

على أخبار الأصقاع السحيقة والبلاد القصية أو يبلغ أوامره وأخباره إليها في الوقت

القصير وعلى إثر وفاة مؤسس المذهب في سنة 1858 خلفه ابنه سيدي المهدي

محمد بن محمد علي السنوسي وكان وقتئذ فتى فتيا , وهو إلى اليوم رئيس المذهب

الذي أصبح على عهده واسع النطاق منتشرا في الآفاق، وإشارة منه تكفي الآن لإزالة

الشحناء والخصومة بين سلطانين من سلاطين أفريقية إذا قام بينهم الشقاق واستحكم

الخلاف لأمر من الأمور.

ومن الأمور التي لا ريب ولا خلاف فيها أنه إذا جاء يوم أمر فيه بالجهاد

وإثارة الحرب الدينية اهتزت لصوته أركان العالم الإسلامي التي تترامى حدوده في

أفريقية إلى مصر شرقا، والكونغو جنوبا حتى بحيرة شاد , ومراكش غربا ,

وعليه يكون حزب السنوسي قد صار قوة من القوى السياسية التي ينبغي على كل

دولة من دول أوربا أن تعمل لها حسابا.

وقد اشتهر سيدي المهدي محمد بالتناهي في التقوى والصلاح ورعاية أمور

الدين , والتقشف في المعيشة , وهو دائب السعي على توفير أسباب الوئام والاتفاق

بين الأقوام والشعوب الأفريقية رغبة منه في توثيق العلائق التجارية بينها , وترقية

الصناعة والزراعة , ومما زاده رفعة , وضاعف سيطرته ونفوذه بين أولئك الأقوام

حقده الشديد على الدخلاء الأوربيين في البلاد الإسلامية.

وليس بصحيح من أن له جيشا عظيما دائميا ودارا لصناعة الأدوات والذخائر

الحربية , وغاية الأمر أن حوله جماعة من أرقائه مسلحون على الدوام , ولكن هذا

لا يمنع من أن جميع الإخوان في المذهب مسلحون بأسلحة جيدة ومستعدون لتضحية

حياتهم بمجرد إشارة منه , وقد انتقل الحقد على الفرنسويين في الجزائر من نفس

السنوسي مؤسس المذهب إلى نفس ابنه الرئيس الحالي , وسرت هذه الروح في

جميع أفراد الحزب بحيث أن السبب الطفيف يكفي لحصول القتال الشديد إذا زحف

الفرنسويون على قبائل الطوارق (الملثمين) أو تقدموا نحو بحيرة شاد من

الشمال.

وقد أدرك الفرنسويون خطر موقفهم بإزاء السنوسيين فحاولوا مرارا عديدة أن

يجتذبوهم إليهم ويستدنوهم من فرنسا ولكن ذهبت مساعيهم في هذا السبيل أدراج

الرياح , وهذا خلاف ما حصل لجلالة السلطان عبد الحميد فإنه تمكن من استجلاب

خواطر السنوسيين إليه , وكسب مودتهم , وإن كان يعلم أن نظاماتهم وقوانينهم لا

تعترف بجلالته خليفة للإسلام.

وقد بارح الشيخ السنوسي في عام 1896 جهة جغبوب قاصدا واحة كوفره

الواقعة على مسيرة 12 يوما منها في وسط صحراء ليبيا واستصحب معه أكابر

العلماء وزعماء الحزب وأخذ المكتبة الكبرى التابعة لهذا الحزب.

ولما بلغ الشيخ السنوسي خبر انمحاق المهدوية في السودان سار قاصدا بلدة

جورون على مسيرة 12 يوما من الجنوب الغربي لكوفره حيث قبائل بني سليمان

والمحاميد من أعظم أنصاره وأشد الناس تعلقا به , وقد أفادت الأخبار الأخيرة أنه

انتقل من ذلك المكان في أوائل مارس الماضي قاصدا عين كلاكه على مسيرة ستة

أيام منه , وربما اتخذها مقرا له ومركزا تنبعث منه أشعة سيطرته ونفوذه إلى جميع

الأرجاء وسوف يرى الجيل المقبل ويسمع من أخبار هذا الحزب ما لا يخطر له

الآن على بال) اه.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣ · الصفحة ٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣ · ص ٢٠٧