تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الإيثار

جعلت الديانة الإسلامية الأعمال الفاضلة على قسمين: قسم حكمه الوجوب،

وهو ما لا حرج فيه ولا مشقة على الناس كلهم باتباعه: كأداء الزكاة وإنظار المعسر

والمساواة والمماثلة في العقوبة. وقسم حكمه الندب والاستحباب؛ وهو ما لا يمكن أن

يكون عليه الناس كلهم: كالعفو عن الجاني، وإبراء المعسر والإيثار على النفس مع

الحاجة والخصاصة، والأعمال الواجبة التي كلف بها جميع الناس جزما أفضل من

الأعمال المستحبة التي طلبت طلبا غير جازم في الغالب؛ فإن إبراء المعسر أفضل

من إنظاره كما لا يخفى، ويتراءى لغير المحقق أن الإيثار - ولو بالضروري -

أفضل من الإنفاق مما زاد على الحاجة الذي هو أصل الشريعة، ودونك ما أوردناه

في كتابنا (الحكمة الشرعية) من تحقيق هذا البحث وفاء بوعدنا في العدد الماضي

وهو:

إن كتب السنة وأخبار السلف وآثارهم؛ تشهد لهم بفضيلة الإيثار على أنفسهم،

وقد مدح الله - عز وجل - به الأنصار بقوله - عز من قائل -: {ويؤثرون

على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} (الحشر: 9) وأقوال العلماء المصرحة بأن المؤاثرة أفضل درجات البذل مالئة

بطون الدفاتر، ومع هذا فقد حقق إمام العارفين الشيخ الأكبر محيي الدين أن مقام

أكمل الكملة تقديم أنفسهم وعدم المؤاثرة، فقد ذكرنا في رسالته (روح القدس) كلاما

في مناظرة نفسه أقنعها فيه بأن ليس لها قدم مع الأنبياء ولا مع الصحابة، وأراد أن

يقنعها بذكر أحوال بعض التابعين بأنها لم تبلغ لهم أيضا شأوا أيضا، فقص عليها

أحسن القصص من أحوال أويس القرني (رضي الله عنه) وسيرته في الإنفاق.

قال قدس سره [1] :

فقالت النفس - يا سيدي -: ارفق بي ولا تعجل، فقد ظهر لي في مسألة

أويس هذا أمر خرج الحلاج فيه فوقه، وذلك أن الحلاج رضي الله عنه قال مخبرا

عن حالته: إذا قعد الرجل عشرين يوما دون غذاء، ثم جاءه طعام فعرف أن في

البلد من هو أحوج منه لذلك الطعام فأكله، ولم يؤثر ذلك المحتاج به فقد

سقط.

وهذا مقام عال كما رأيته. وهذا أويس - رضي الله عنه - ما كان يتصدق

إلا بفضل طعامه وثيابه، فيأخذ حاجته أولا، ثم يعطي ما فضل عن قوته كل، ليلة

وهو يعلم أن ثم جائعا ولم يعطه وهذا كما رأيته قال:

قلت لها: يا نفس ما أنت إلا اعترضت اعتراض من لا يعرف الحقائق، ولكنك

جهلت المقال، فاسمعي الجواب، واعلمي أن أويس هو الإمام الذي لا يلحق.

واعلمي أيتها النفس أن العارف إذا كان صاحب حال مثل الحلاج فرق بين نفسه وبين

غيره، فعامل نفسه بالشدة والقهر والعذاب، وعامل نفس غيره بالإيثار والرحمة

والشفقة، وإذا كان العارف صاحب مقام وتمكين وقوة صارت نفسه عنه أجنبية، لا فرق عنده بينها وبين نفوس العالم، فما يلزمه في حق نفوس الغير من الرحمة

والشفقة - يلزمه في حق نفسه؛ لكونها صارت عنه أجنبية وارتفع هو علويا،

وبقيت، هي مع أبناء جنسها سفلية، فلزمه العطف عليها كما لزمه على غيرها؛

فإن صاحب الصدقة العارف إذا خرج بصدقته ولقي أول مسكين يدفع إليه الصدقة،

فإن تركه ومضى إلى مسكين آخر، فقد انتقل من رضى ربه إلى هوى نفسه وخرج

من ديوانهم، فإنها مثل الرسالة لا يخص بها شخصا، أول من يلقاه يقول له: قل:

(لا إله إلا الله) .

ولا شك أن هذا العارف إذا وهبه الله تعالى رزقا يعلم أنه مرسل إلى عالم

النفوس الحيوانية فينزل من حضرة عقله إلى أرض النفوس، ليؤدي إليهم ذلك القدر

الذي وجه به، فأول نفس تلقاه نفسه لا نفس غيره، وسبب ذلك أن نفوس الغير غير

ملازمة له ولا متعلقة به؛ لأنها لا تعرفه، ونفسه متعلقة به ملازمة لبابه فلا يفتحه

إلا عليها فتطلب أمانتها منه فيقدمها على غيرها؛ لأنها أول سائل.

وإلى هذا السر أشار الشارع بقوله: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول والأقربون أولى

بالمعروف) ؛ لتعلقهم بك ولزومهم بابك والغير لا يتعلق بك ولا يلازمك ملازمة

نفسك وأهلك، فلما تأخروا أخروا كما هي حال الأسرار سواء؛ تخرج من عند

الحق على باب الرحمة، فأي قلب وجد متعرضا سائلا عند الباب دفع إليه حظه من

الأسرار والحكم، وحظه منها على قدر ما يرى فيه من التعطش والجوع والمذلة

(أي: لله) والافتقار، وهم خاصة الله تعالى.

وإلى هذا المقام أشار المشايخ وعليه حرضت الشريعة بقولها: (تعرضوا

لنفحات ربكم) ومن تأخر أخر، ومن نسي نسي، فانظري كم بين المنزلتين: منزلة

الحلاج ومنزلة أويس؟ ! وانظري هذا المقام على علوه وسموه كيف اشترك في

الظاهر صاحبه مع أحوال العامة، فإن العامة أول ما تجود على نفوسها، وحينئذ

يتعدى جودها إلى غيرها , وإنما يتصرفون تحت حكم هذه الحقيقة وهم لا يشعرون،

ولما عموا عن هذا السر وصاروا مثل البهائم لا يعرفون مواقع أسرار العالم مع الله

تعالى حرصوا على الإيثار ومدحوا به، وهو مقام الحلاج الذي ذكرت عنه ورأيت

أنه غاية فهكذا فلتغزل الحقائق، وتحاك حلل الرقائق.

فقالت النفس: هذا شيء -والله - ما قرع قط سمعي، و {إن هذا لهو حق

اليقين} (الواقعة: 95) ، و ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ (الصافات: 61)

وفي مثل هذا ﴿فليتنافس المتنافسون﴾ (المطففين: 26) ، لقد شرحت صدرا

ورفعت في المعارف قدرا. اه

هذا ما جاء في (روح القدس) بنصه الشائق، الذي هو صفوة الحقائق، هو

جدير بما وصفناه، لكن ربما توهم منه الغبي أنه يقتضي تفضيل أويس على

الصحابة في هذا المقام الذي أثنى به عليهم الملك العلام وأنى لأويس -على فضله -

بذلك؟ ! والذي يتجلى لنا في الجواب ما نقصه عليك مفصلا تفصيلا.

(لها بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) المنار: كنا إلى عهد نشر هذه المناظرة في المنار نأخذ جل كلام الشيخ محيي الدين بالتسليم وما ننكره - وهو أقله - نتأوله أو نأخذ فيه بقول من قالوا: إن المراد منه غير ظاهره. وقد من الله تعالى علينا من قبل إعادة طبع هذا منه - أن صار عندنا كغيره من العلماء والصوفية نحكم في جميع أقوالهم الدليل، ولله الحمد.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢ · ص ١٢