[الأنبياء: 47]، وقوله تعالى: ﴿ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ﴾ أي هو المتصرف في الخلق، يقلب الليل والنهار ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتارة يكون الفصل شتاء ثم ربيعا ثم قيظا ثم خريفا، وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه ﴿ وهو عليم بذات الصدور ﴾ أي يعلم السرائر وإن دقت أو خفيت.
57.7-11
أمر تبارك وتعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، وحث على الأنفاق ﴿ مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾ أي مما هو معكم على سبيل العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد تعالى إلى استعمال ما استخلفهم فيه من المال في طاعته، وقوله تعالى: ﴿ مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾ فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفا عنك، فلعل وارثك أن يطيع الله فيه فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصى الله فيه فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان. روى مسلم، عن عبد الله بن الشخير قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول:
" ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت؟ أو تصدقت فأمضيت؟ وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس "
وقوله تعالى: ﴿ فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ﴾ ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة، ثم قال تعالى: ﴿ وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ﴾ أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان، والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به، وقد روينا في الحديث
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه: " أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟ " قالوا: الملائكة، قال: " وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ " قالوا: فالأنبياء، قال: " وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ " قالوا: فنحن، قال: " ومالكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها "
وقوله تعالى: ﴿ وقد أخذ ميثاقكم ﴾ كما قال تعالى:
واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا
[المائدة: 7] ويعني بذلك بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: ﴿ هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ﴾ أي حججا واضحات ودلائل باهرات وبراهين قاطعات، ﴿ ليخرجكم من الظلمات إلى النور ﴾ أي من ظلمات الجهل والكفر، إلى نور الهدى والإيمان، ﴿ وإن الله بكم لرءوف رحيم ﴾ أي في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس، ولما أمرهم أولا بالإيمان والإنفاق، ثم حثهم على الإيمان، حثهم أيضا على الإنفاق، فقال: ﴿ وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموت والأرض ﴾؟ أي أنفقوا ولا تخشوا فقرا وإقلالا، فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السماوات والأرض، وهو القائل:
ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين
[سبأ: 39]،
ما عندكم ينفد وما عند الله باق
[النحل: 96]، فمن توكل على الله أنفق وعلم أن الله سيخلفه عليه، وقوله تعالى: ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ﴾ أي لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك أنه قبل فتح مكة كان الحال شديدا، فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورا عظيما، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ولهذا قال تعالى: ﴿ أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ﴾ ، والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا (فتح مكة)، وعن الشعبي: أن المراد (صلح الحديبية).
وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد، عن أنس قال:
" كان بين (خالد بن الوليد) وبين (عبد الرحمن بن عوف) كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " ادعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم "