تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه، انتهى كلامه. وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث بسنده، عن الحسن، عن أبي هريرة،

" عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وعنده: " وبعد ما بين الأرضين مسيرة سبعمائة عام " ، وقال: " لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى السابعة لهبط على الله " ، ثم قرأ: ﴿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ﴾ "

، وقال ابن جرير عند قوله تعالى:

ومن الأرض مثلهن

[الطلاق: 12] عن قتادة قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي عز وجل من السماء السابعة وتركته ثم، قال الآخر: أرسلني ربي عز وجل من الأرض السابعة وتركته ثم، قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته ثم، قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثم.

57.4-6

يخبر تعالى عن خلقه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر تعالى باستوائه على العرش بعد خلقهن، وقد تقدم الكلام على هذه الآية وأشباهها في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته ههنا، وقوله تعالى: ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يعلم عدد ما يدخل فيها من حب وقطر، ﴿ وما يخرج منها ﴾ من نبات وزرع وثمار، كما قال تعالى:

وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين

[الأنعام: 59]، وقوله تعالى: ﴿ وما ينزل من السمآء ﴾ أي من الأمطار، والثلوج والبرد والأقدار، والأحكام مع الملائكة الكرام، وقوله تعالى: ﴿ وما يعرج فيها ﴾ أي من الملائكة والأعمال، كما جاء في الصحيح:

" يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل "

، وقوله تعالى: ﴿ وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ﴾ أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم، حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم، كما قال تعالى:

ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور

[هود: 5]، وقال تعالى:

سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار

[الرعد: 10]، فلا إله غيره ولا رب سواه، وقد ثبت في الصحيح

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل لما سأله عن الإحسان: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " "

، وفي الحديث،

" قال رجل: يا رسول الله ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: " يعلم أن الله معه حيث كان "

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت "

وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ينشد هذين البيتين:

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل

خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة

ولا أن ما تخفي عليه يغيب

وقوله تعالى: ﴿ له ملك السموت والأرض وإلى الله ترجع الأمور ﴾ ، أي هو المالك للدنيا والآخرة كما قال تعالى:

وإن لنا للآخرة والأولى

[الليل: 13] وهو المحمود على ذلك، كما قال تعالى:

وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة

[القصص: 70]، وقال تعالى:

الحمد لله الذي له ما في السموت وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير

[سبأ: 1]، فجميع ما في السماوات والأرض ملك له، وأهلهما عبيد أرقاء أذلاء بين يديه، كما قال تعالى:

إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا

[مريم: 93]، ولهذا قال: ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ أي إليه المرجع يوم القيامة فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة، كما قال تعالى:

ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٦٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٦٩١