تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد كان بين صلح الحديبية وفتح مكة. وعن أبي سعيد الخدري

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم " ، قلنا: من هم يا رسول الله، قريش؟ قال: لا، ولكن أهل اليمن لأنهم أرق أفئدة وألين قلوبا " ، وأشار بيده إلى اليمن فقال: " هم أهل اليمن، ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية " ، فقلنا: يا رسول الله هم خير منا؟ قال: " والذي نفسي بيده لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ما أدى مد أحدكم ولا نصيفه " ، ثم جمع أصابعه ومد خنصره وقال: " ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير ﴾ "

وقوله تعالى: ﴿ وكلا وعد الله الحسنى ﴾ يعني المنفقين قبل الفتح وبعده كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء، كما قال تعالى:

لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم

[النساء: 95] الآية، وهكذا الحديث الذي في الصحيح:

" المؤمن القوي خير، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير "

فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه، مع تفضيل الأول عليه، ولهذا قال تعالى: ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ أي فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق، وفي الحديث:

" سبق درهم مائة ألف "

ولا شك أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله عز وجل، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها.

وقوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ﴾ قال عمر بن الخطاب: هو الإنفاق في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال، والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة، وعزيمة صادقة دخل في عموم هذه الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ﴾ ، كما قال في الآية الأخرى

أضعافا كثيرة

[البقرة: 245] ﴿ وله أجر كريم ﴾ أي جزاء جميل ورزق باهر وهو الجنة يوم القيامة. عن عبد الله بن مسعود قال:

" لما نزلت هذه الآية ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: " نعم يا أبا الدحداح " ، قال: أرني يدك يا رسول الله، قال، فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال، فجاء أبو الدحداح، فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل "

وفي رواية

" أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح "

، ونقلت منه متاعها وصبيانها، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح ".

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٦٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٦٩٣