38.21-25
قد ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا، لا يصح سنده، لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه، ويزيد وإن كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة؛ فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل، فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضا، وقوله تعالى: ﴿ ففزع منهم ﴾ إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب، أي احتاطا به، يسألانه عن شأنهما، وقوله عز وجل: ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ أي غلبني، يقال: عز يعز إذا قهر وغلب، وقوله تعالى: ﴿ وظن داوود أنما فتناه ﴾ قال ابن عباس: أي اختبرناه، وقوله تعالى: ﴿ وخر راكعا ﴾ أي ساجدا، ﴿ وأناب ﴾ أي رجع وتاب ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك ﴿ فغفرنا له ذلك ﴾ أي ما كان منه مما يقال فيه:
" حسنات الأبرار سيئات المقربين ".
وقد اختلف الأئمة في سجدة (ص) هل هي من عزائم السجود؟ على قولين: الجديد من مذهب الشافعي رضي الله عنه أنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر؛ والدليل على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: السجدة في (ص) ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها، وروى البخاري عند تفسيرها عن العوام قال: سألت مجاهدا عن سجدة (ص) فقال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ:
ومن ذريته داوود وسليمان
[الأنعام: 84]، و
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90]؟ فكان داود عليه الصلاة والسلام ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجدها داود عليه الصلاة السلام، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ أي وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله عز وجل بها، وحسن مرجع، وهو الدرجات العالية في الجنة لتوبته وعدله التام في ملكه، كما جاء في الصحيح:
" المقسطون على منابر من نور، عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا "
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلسا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر ".