فهل رأى المسيحيون في العالم الإسلامي شيئاً من ذلك في تاريخهم ؟ أم يرضون المعاملة بالمثل مع هذا القطر الذي تربطنا به روابط الطبيعة وروابط الدين ؟ !
ذلك هو التعصب الحق . أما في مصر مثلاً فماذا يخشون !
والشيوعيون يقولون إن الكيان الحقيقي للإنسان هو كيانه الاقتصادي . فهل حرم المسيحيون في الإسلام من حق الملك أو التصرف أو تجميع الثروات ؟
هذا بشري حنا عندما زار الملك فؤاد الصعيد قد اقتلع من مزرعته من أشجار البرتقال المحملة بالثمار ما زرعه على طول 25 كيلو متراً من الجانبين في طريق الملك ! فمن أين له ذلك لو لم يكن له حق الملكية بغير حد ؟
وحق التعليم ؟ وحق التوظيف ؟ وحق الترقية في الوظيفة ؟ هل يدخل فيه العنصر الديني ؟
على أننا لا نوافق الشيوعيين في أن كيان الإنسان هو كيانه الاقتصادي فحسب . ونضيف إليه كيانه المعنوي والروحي .
فهل حدث اضطهاد في العبادة - إلا الأمثلة النادرة التي كان المستعمرون الإنجليز دائماً من ورائها ليثيروا الفتنه التي تمكن لهم في الأرض ؟
ويقولون إن هناك تمييزاً في مسألة الجزية . فنرد عليهم بقول سير أرنولد الذي استشهدنا به من قبل ، إذ يقول في ص 58 : " وقد فرضت الجزية كما ذكرنا على القادرين من الذكور في مقابل الخدمة العسكرية التي كانوا يطالبون بأدائها لو كانوا مسلمين . ومن الواضح أن أي جماعة مسيحية كانت تعفى من أداء الضريبة إذا ما دخلت في خدمة الجيش الإسلامي . وكان الحال على هذا النحو مع قبيلة الجراجمة ، وهي قبيلة مسيحية كانت تقيم بجوار أنطاكية وسالمت المسلمين وتعهدت أن تكون عوناً لهم وأن تقاتل معهم في مغازيهم على شريطة ألا تؤخذ بالجزية ، وأن تعطى نصيبها من الغنائم " .
وفي ص 59 : " ومن جهة أخرى أعفي الفلاحون المصريون من الخدمة العسكرية على الرغم من أنهم كانوا على الإسلام . وفرضت عليهم الجزية نظير ذلك كما فرضت على المسيحيين " .
ليست المسألة إذن تفرقة طائفية . وإنما هي الخدمة العسكرية من أداها أعفي من الجزية ، ومن لم يؤدها فعليه الجزية بلا تفرقة بين دين ودين .
أما النص الذي يقول : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " . [ سورة التوبة : 29 ] .
فهو نص خاص بالمحاربين لدار الإسلام من أهل الكتاب كما لو حاربنا الإنجليز أو الفرنسيين ، وليس ينصرف إلى المقيمين في الوطن الإسلامي .
ولكني أعلم أن شياطين الشيوعية ينبثون في كل طائفة فيمنونها بأمنية خاصة .
فهم ينبثون بين العمال فيقولون لهم : " اتبعونا وسنملككم المصانع " . وبين الفلاحين فيقولون لهم : " اتبعونا وسنملككم الأرض " . وبين خريجي الجامعات والمدارس المتعطلين فيقولون لهم " اتبعونا وسنمنحكم عملاً يوازي مؤهلاتكم " . وبين الشباب المحروم من الجنس ، فيقولون لهم : " اتبعونا وسننشئ لكم مجتمعاً " حراً " يصنع فيه من يشاء ما يشاء بلا تدخل من القانون ولا اعتراض من التقاليد " .
ثم يخلون بالمسيحيين فيقولون لهم : " اتبعونا وسنحطم لكم هذا الإسلام الذي يفرق بين الناس على أساس العقيدة " . كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً . ليس الإسلام هو الذي يفرق في نظامه ومعاملاته بين الناس على أساس العقيدة ، وهو الذي يمنحهم كل الحقوق الحيوية بلا تفريق . وإنما هو يجمع بينهم على أساس الإنسانية ، ثم يترك لهم بعد ذلك كامل الحرية في اعتناق العقيدة التي يريدونها ، برضاء الإسلام ، بل بحمايته وتحت رعايته .
وإني لأعلم كذلك أن المسيحيين في الشرق ، أحرص على روابطهم التاريخية مع المسلمين ، وأحرص على مصالحهم المتشابكة ، من أن يستمتعوا لدس الدساسين أو وسوسة الشياطين .
(محمد قطب)
======================
الإسلام … والمثالية
أين هو الإسلام الذي تحدثوننا عنه أيها المسلمون ؟ ومتى طبق في وضعه الصحيح ؟ إنكم دائماً تحدثوننا عن نظام مثالي رائع في ذاته ، ولكنه لم يوجد بالصورة التي تصفونها في واقع الأرض . فإذا سألناكم عن التطبيق العملي لم تجدوا إلا فترة قصيرة في حياة الرسول والخلفاء الراشدين ، أو بالأحرى الخليفتين الأولين . ورحتم تتشبثون بعمر بن الخطاب خاصة تجلون في شخصه صورة الإسلام ، وتعرضونها باهرة تتلألأ في العيون ، حتى إذا فتشنا حولها لم نجد إلا ظلمات بعضها فوق بعض ، من إقطاع وظلم واستبداد وتأخر ورجعية .
تتحدثون عن حق الشعب في تأديب حكامه ، فمتى - في غير عهد الخلفاء الراشدين - أتيح للشعب أن يختار حكامه فضلاً عن تأديبهم ؟
وتتحدثون عن حق الشعب في تأديب حكامه ، فمتى - في غير عهد الخلفاء الراشدين - أتيح للشعب أن يختار حكامه فضلاً عن تأديبهم ؟
وتتحدثون عن التوزيع الاقتصادي العادل في الإسلام ، فمتى تقاربت الفوارق بين الناس حتى في عهد الخلفاء الراشدين أنفسهم ؟