وقالوا عن الآية الثانية: لماذا آتى بها ؟ " بالتنوين مع أنها لا تُنَوَّنُ ؛ لامتناعها عن الصرف ، لأنها على وزن مصابيح ؟
هذا قولهم ، وهو مبلغ علمهم أو مبلغ جهلهم وافترائهم لأنهم ـ كما تقدم مرات ـ يحفظون شيئاً وتغيب عنهم أشياء ، وما حفظوه ليس بمغنٍ لهم ، وكان الصمت استر لهم لو كانوا يحترمون أنفسهم.
الرد على الشبهة:
فى هذه الشبهة افتراء وجهل:
أما الافتراء فهو قولهم إن الكلمتين سلاسلا وقواريرا تقرآن بـ " التنوين " والتنوين: نون ساكنة فى آخر الكلمة المصروفة تنطق فى الوصل دون الوقف ، ولا تكتب ، يعنى لا صورة لها فى الكتابة والخط.
وهذا افتراء منهم ؛ لأن الكلمتين فى قراءة حفص عن عاصم وغيرهما لا تنونان ، وإنما يوقف عليهما بالفتح لا غير ولا يلتفت إلى " الألف " الذى فى آخر كل منهما هكذا " سلاسلا " ـ " قواريرا ".
وللقراء فى هاتين الكلمتين مذاهب ، وبها نزل القرآن فقد قرأ نافع وابن كثير والكسائى وأبو جعفر " قواريراً " بالتنوين مصروفة منونة فى الموضعين معاً " قواريراً " و " سلاسلاً ".
وقرأ الباقون ، ومنهم حفص عن عاصم " سلاسلا " و " قواريرا " بدون تنوين على المنع من الصرف وعلة المنع من الصرف هى صيغة منتهى الجموع والذين قرأوهما بالتنوين (مصروفتين) لهم سند فى ذلك.
ووجه صرف الكلمتين أن بعض العرب كانت تصرف كل الكلام ، وليس فى لهجتهم كلام مصروف وكلام غير مصروف. بل هو كله مصروف ، والقرآن نزل أصلاً بلغة قريش ، ثم بلهجات القبائل العربية الأخرى (3).
===========
29- الإتيان بتوضيح الواضح
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله جل ثناؤه:
(.. فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة.. ) (1).
موطن الشاهد على هذه
الشبهة عندهم هو قوله تعالى: " تلك عشرة كاملة " بعد قوله عز شأنه: " فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم "
وفى تصوير هذه الشبهة قالوا:
" فلماذا لم يقل: تلك عشرة ؟ مع حذف كلمة " كاملة " تلافياً لإيضاح الواضح ؟ لأنه مَنْ الذى يظن أن العشرة تسعة " ؟!
الرد على الشبهة:
من الآيات الكونية لله حركة القمر فى رحلته الشهرية حيث يظهر ضعيفاً نحيفاً فى أولى لياليه ، حتى لا يكاد يراه أحد إلا بأجهزة الرصيد الحساسة ، ثم ينمو ويكبر ليلة وراء ليلة ، وفى كل ليلة تالية تصحبها ظاهرتان فى تطور القمر:
الظاهرة الأولى: إطالة مكثه بعد غروب الشمس ، فهو فى أولى لياليه لا يمكث إلا لحيظات فى شكله الضعيف النحيف.
أما الظاهرة الثانية: فهى تطور حجمه من الضعف والنحافة إلى القوة والضخامة.
أما فى الليالى التالية فتزيد مدة مكثه بعد غروب الشمس ، ويكبر حجمه ، ليلة تلو ليلة.
وفى ليلة الخامس عشر من بدء ولادته تصل الظاهرتان إلى أقصى درجة لهما.
فيمتد مكثه طول الليل ، منيراً فى الوجود.
ويكتمل قرصه فيملأ الدائرة المخصصة له ويكتمل نوره 100% ويحيل الليل المظلم إلى نور قوى هادئ فيه منافع للناس ، ويُعجِب الناظرين ، ويتغنى بجماله الشعراء ، ويشبهون به كل ما يرونه:
* حسناً جميلاً.
* بهياً ساحراً.
* رفيع الشأن شامخاً.
حتى العامة من الناس ـ غير الشعراء المرهفى الحس ـ يفتنون به ، ويعبرون عن بهائه وسحره. ويمجدون بوصفه كل جميل ، فيقولون: " قمر أربع عشرة " أى قمر الليلة التى يرون فيها القمر يوم الرابع عشر ، التى سيعقبها اليوم الخامس عشر من الشهر ، والقمر فى هذه الليلة يبلغ كمال شبابه ونضجه.
ومنذ فجر الحياة كان القمر ، وبخاصة فى ليلة كماله مبعث الإعجاب والبهارة والابتهاج فى نفس كل من يراه ، ولم يشذ عن هذا الإحساس أحد ،
فإن رأيت من يذم القمر فى ليلة كماله فاعلم أنه رجل مريض الحس ، فاسد الذوق ، غريب الأطوار.
والأساليب البيانية شأنها شأن القمر ، فى تدرج أنماطها وتفاوت درجاتها:
فمنها الحديث اليومى العادى ، الذى يخلو من الخصائص الفنية ومنها المتوسط الدرجة ، الذى لا يمدح ولا يذم.
ومنها البيان العالى المؤثر فى النفوس ، الممتع للعواطف المثرى للفكر.
ومنها البيان الأعلى ، المعصوم من النقد ، الذى يحس الناس برونقه وإحكامه وجماله وكماله وجلاله ، وهو القرآن المعجز العظيم.
ومن أساليب هذا البيان الأعلى الذى لا يضارعه بيان ، أسلوب التوكيد كما فى قوله تعالى (تلك عشرة كاملة (.
ونبدأ بأقوال الأئمة فى بيان قيمة " تلك عشرة كاملة " فى تقوية الأسلوب وتوفير العناية بالمعنى ، نبدأ بما قاله الإمام الزمخشرى:
" فإن قلت: ما فائدة الفذلكة " ؟ قلت: الواو قد تجئ للإباحة فى نحو قولك: جالسى الحسن ، وابن سيرين ، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعاً ، أو واحداً منهما كان ممتثلاً ، فَفُذْلِكَتْ (2) نفياً لتوهم الإباحة.
وأيضاً ففائدة الفذلكة فى كل حساب أن يُعْلَم العدد جملة كما عُلِم تفصيلاً ليحاط به من جهتين فيتأكد العلم به.
وفى أمثال العرب:
" علمان خير من علم ".