تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و " الذى " موضوع موضع الذين ، أى كمثل الذين استوقدوا ، وذلك موجود فى كلام العرب ، كقول الشاعر:

وإن الذى حانت بفلج دماؤهم

همُ القوم ، كل القوم ، يا أم خالد

ومنه " وخضتم كالذى خاضوا " و " والذى جاء بالصدق وصدَّق به ، أولئك هم المتقون " (5).

والخلاصة:

بعد هذا العرض لأئمة النحاة والمفسرين يتضح جلياً أن الاستعمال القرآنى فى " مثلهم كمثل الذى استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم " استعمال عربى فصيح فى غاية الفصاحة ، وله شواهد فى كلام العرب المحتج بكلامهم ، وإن كان القرآن غنياً عن الاستشهاد من خارجه على عروبته وسلامته من كل خطأ ؛ لأنه من أصح مصادر اللغة العربية ، ومع هذا فإن ما قاله الأئمة الأعلام يحيل شبهة هؤلاء المتطاولين على كتاب الله العزيز هباءً منثوراً ، هذا هو دور النحو فى إبطال هذه

الشبهة ، وللبلاغة دور مهم فى الرد عليهم نلخصه فى الآتى:

إن المثل فى الآية مسوق أساساً لتمثيل شأن المنافقين ، أما قوله تعالى: " كمثل الذى استوقد ناراً " ، فأمر عارض اقتضاه مقام الحديث عن تمثيل حال المنافقين فهو أشبه ما يكون بالجملة الاعتراضية ، لولا أنها مشبه به ، ولما أدت الدور المراد منها تحول الحديث إلى الأصل المسوق من أجله الكلام ، وبدأ هذا التحول من قوله تعالى: " ذهب الله بنورهم " فَجَمْعُ الضمير فى " بنورهم " منظور فيه إلى نظيره فى " مثلهم " فكان ضمير الجمع فى " بنورهم " مطابقاً أصالة لمقام الحديث أما " الذى استوقد ناراً " فصار مسكوتاً عنه بعد آداء دوره المراد منه.

وعلى هذا فإن التوجيه البلاغى لجمع الضمير فى " بنورهم " يغنى عن التوجيهات التى أبداها النحاة والمفسرون إذ لا معول فى التوجيه البلاغى على اعتبار " الذى " بمعنى الذين ، أو هو " الذين " حذف منه النون.

ومحال أن يستقيم ما قاله مثيرو هذه

الشبهة أن الصواب هو إفراد الضمير فى " نورهم " لأنه لو قيل: ذهب الله بنوره وتركه فى ظلمات لا يبصر ، لتحول الكلام إلى غير المنافقين المضروب لهم المثل ، ولزالت كل الروابط بين صدر الآية وعجزها. وهذا لا يقول به عاقل.

==========

21- الإتيان بجمع كثرة فى موضع جمع القلة

منشأ هذه الشبهة:

هو قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ) (1).

أخذوا من هذه الآية كلمة " معدودة " وتوهموا أن القرآن أخطأ فيها ؛ لأنها ـ عندهم ـ جمع كثرة ، والمقام الذى استعملت فيه يتطلب جمع القلة ، ثم علقوا قائلين:

" وكان يجب أن يجمعها جمع قلة ، حيث إنهم أرادوا القلة ، فيقول: أياماً معدودات ".

هكذا عبروا عن جهلهم ، وهم يحسبون ـ أو لا يحسبون ـ أنهم العلماء الأفذاذ الذين يعلمون ما لم يعلمه أحد ـ حتى الله ـ من شئون اللغة والبيان ، وهم ـ بحق ـ لا يكادون يفقهون حديثاً.

الرد على الشبهة:

هذه الآية نزلت تحكى قولاً قاله اليهود ، يكشف عن الغرور الذى ملأ أنفسهم ، فقد زعموا أنهم إذا دخلوا النار ، فإنها لا تمسهم إلا مساً خفيفاً ، وأنهم لن يُخلدوا فيها ، بل يقضون عدة أيام.

وهذا تطاول منهم ، لأن شئون الآخرة لا يعلمها إلا الله.

لذلك كذَّبهم الله ، وألزمهم الحُجة البالغة له عليهم وحصر مصدر هذا الذى ادعوه فى أمرين:

الأول: أن يكون عندهم من الله عهد بما قالوا ، والله لا يخلف عهده ، وهم فى الواقع لا عهد عندهم من الله يحدد فيه مدة مكثهم فى النار ، ودرجة العذاب الذى سيصيبهم فيها.

الثانى: أو هُمْ يفترون على الله عز وجل ، وماداموا ليس عندهم عهد من الله ، فهم ـ إذاً ـ كاذبون والذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون.

أما مسألة الكثرة والقلة ، التى بنى عليها هؤلاء الكارهون لما أنزل الله على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم ، فلا اعتبار لها هنا ، وهم وإن حفظوا شيئاً فقد غابت عنهم أشياء. ولذلك أوقعهم جهلهم فيما حاولوا أن يفروا منه ؛ لأنهم قالوا إن معدودة ، جمع كثرة ، واستعمال جمع الكثرة ـ هنا ـ خطأ ؟ ؛ لأن اليهود أرادوا جمع القلة ـ أى أنهم يمكثون فى النار أياماً قليلة. فجاء تعبير القرآن غير وافٍ بالمعنى الذى كانوا يقصدونه ، وكان الواجب على القرآن أن يقول: أياماً معدودات ، بدلاً من (أياماً معدودة (هذا هو قولهم ، وهو محض الخطأ لو كانوا يعلمون وذلك للاعتبارات الآتية:

فأولاً: لأن " معدودة " ليست جمعاً بل مفردًا ، ليست جمع كثرة ولا جمع قلة. وهؤلاء " العباقرة " جعلوها جمع كثرة ، بسبب جهلهم باللغة العربية ، لغة الإعجاز.

وثانياً: أن " معدودات " التى يقولون إنها الصواب وكان حق القرآن أن يعبر بها بدلاً من " معدودة " ظانين أن " معدودات " جمع قلة. وهى ليست جمع قلة كما توهموا ، فهى على وزن " مفعولات " وهذا الوزن ليس من

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٧٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٧٢٤