تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشبهة ـ عندهم ـ هو الضمائر الثلاثة فى:

" تعزروه " ـ " توقروه " ـ " تسبحوه ".

ذكروا هذا ، ثم قالوا:

" وهنا ترى اضطراباً فى المعنى ، بسبب الالتفات من خطاب محمد إلى خطاب غيره ، ولأن الضمير المنصوب فى قوله " وتعزروه وتوقروه " عائد على الرسول المذكور آخرًا.

وفى قوله " وتسبحوه " عائد على اسم الجلالة المذكور أولاً. هذا ما يقتضيه المعنى ، وليس فى اللفظ ما يعينه تعيينًا يزيل اللبس. فإن كان القول: وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً عائدًا على الرسول يكون كفرًا لأن التسبيح لله فقط ، وإن كان القول " وتعزروه وتوقروه وتسبحوه " عائدًا على الله يكون كفرًا ؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج لمن يعزره ويقويه ".

الرد على الشبهة:

لقد أطالوا ـ على خلاف عادتهم ـ فى بيان هذه

الشبهة كما ترى. والسبب أنهم أرادوا أن يضيقوا علينا الخناق أو يسدوا علينا الطريق ليحكموا علينا قبضتهم ، على رأى المثل العامى " حلِّق حُوشْ " بيان ذلك أنهم يقولون لنا:

إذا جعلتم الضمائر الثلاثة عائدة على الرسول فقد كفرتم لأن الرسول بشر ، والبشر لا يجوز أن يسبحهم أحد ، لأن التسبيح لا يكون إلا لله.

وإذا جعلتم الضمائر الثلاثة عائدة على الله فقد كفرتم لأن الله غنى عن خلقه لا يحتاج منهم إلى تقوية ولا خلافه. فأين ـ إذن ـ أنتم تذهبون ؟

ونقول لهؤلاء الكارهين لما أنزل الله على خاتم رسله:

نحن ـ المسلمين ـ لا نسبح أحداً غير الله ، ولا نعبد أحداً غير الله ، ولا نرفع حاجاتنا إلى أحدٍ غير الله ، ولا نطلب غفران ذنوبنا من أحدٍ غير الله ، ولا نقدم كشف حساباتنا إلى أحد غير الله ، ولا نرجو ولا نخاف أحداً غير الله. والكتاب الذى أنزله الله على خاتم رسله لا لفَّ فيه ولا دوران ، ولا قلق ولا اضطراب ، لا فى مبانيه ، ولا فى معانيه ، ولا فى مقاصده وقيمه ، فمن توَّهم فيه اضطراباً فالاضطراب فى عقله هو ، وفى فهمه هو لا يتعداه إلى كتاب الله ، ولا إلى المؤمنين به.

والآية التى وصفوا تركيبها بأنه أدى إلى اضطراب المعنى المؤدى إلى الكفر ، أجلى من الشمس فى رائعة النهار ومرجع الضمائر الثلاثة ، التى اتخذوا منها منشأً لهذه

الشبهة محددة ـ عقلاً وشرعاً ـ دون أى التواء.

فالضمير فى " وتسبحوه " عائد على الله قطعاً دون أدنى شك. لأن التسبيح عبادة ، ولم يؤذن الله لعباده أن يعبدوا أحداً غيره:

(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) (2).

(اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) (3).

(يعبدوننى لا يشركون بى شيئاً ) (4).

أما مرجع الضمير فى " وتعزروه " فهو الرسول (دون خلط أو تشويش.

وأما الضمير فى " وتوقروه " فلا مانع لا عقلاً ، ولا شرعاً أن يكون عائداً على الله ، لأن توقير الله هو إكباره وتعظيمه ، وقد قال نوح لقومه موبخاً لهم (ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً ) (5).

ويجوز أن يكون عائداً على الرسول ، وتوقيره هو احترامه وإنزاله منزلته من التكريم والطاعة.

هذا هو بيان ما توهموه من لبس ، دون الرجوع إلى ما قاله النحاة أو المفسرون فالمسألة لا تحتاج إلى أكثر مما أوجزناه.

والخلاصة:

القرآن خطاب للعقلاء الأذكياء ، وليس خطاباً للمتغابين أو الأغبياء ، وفى الإنسان حاسة كثيراً ما يعوِّل عليها القرآن فى خطابه ، تستجلى خفايا معانيه ، وتدرك روائع إيماءاته ودقائق أسراره.

تلك الحاسة هى الخصائص العقلية ، والملكات الذهنية أو الذوقية المثقفة.

فمثلاً قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ) (6).

ترى الخطاب فيها واحداً " طلقتم ـ تعضلوهن " والنظرة العجلى تحسب أن المخاطب فى الموضعين صنف واحد من الرجال لكن العقل ـ بمعونة الشرع ـ سرعان ما يفرق بين الذين خوطبوا بـ " طلقتم " والذين خوطبوا بـ " تعضلوهن " فالمخاطب الأول هم الأزواج الذين يطلقون زوجاتهم ، والمخاطب الثانى هم أولياء أمور المطلقات ، يقول لهم القرآن إذا أراد الزوج المطلق طلاقاً رجعياً فى العدة أو بعد العدة أن يعيد زوجته إليه بالمراجعة أو العقد الجديد وكانت الزوجة راغبة فى ذلك ، فعلى أولياء أمرها ألا يقفوا فى طريقها.

فالذى فرَّق بين مرجعى الضميرين ـ هنا ـ العقل ، بمعونة الشرع ، وهذه الآية شبيهة بالآية التى أثيرت حولها الشبهات ، التى فرغنا من الرد عليها. ولو كان نظر مثيرى هذه الشبهات وقع على آية البقرة هذه ، لقالوا إن فيها تركيباً أدى إلى اضطراب المعنى ، ولا وجود لاضطراب إلا فى أوهامهم.

==========

28- صَرْفُ الممنوع من الصرف

منشأ هذه الشبهة:

هو آيتان من سورة واحدة.

إحداهما قوله تعالى: (إنا اعتدنا للكافرين سلاسلاً وأغلالاً وسعيراً) (1).

والثانية: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا) (2).

وشاهدهم فى الآية الأولى كلمة " سلاسلا " ذكروها ثم قالوا: فلماذا قال " سلاسلا " بالتنوين مع أنها لا تُنَوَّنُ لامتناعها عن الصرف ؟

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٧٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٧٢٧