تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بدأت الآية الكريمة بهذا الفعل " قطَّعناهم " بتشديد " الطاء " على وزن " فَعَّل " وهذا التشديد يفيد التكثير ، أى كثرة التقطيع والتفريق. وهذا يناسبه بلاغة جمع " أسباطاً أمماً " لا إفرادهما ، والمعانى البلاغية من هذا النوع تزال من أجلها كل الموانع والسدود. ولغة القرآن وبلاغته أوسع من قواعد اللغة وفنونها البلاغية.

===========

17- جمع الضمير العائد على المثنى

منشأ هذه الشبهة:

هو قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا فى ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم ) (1).

يقولون:

كان يجب أن يثنى الضمير العائد على المثنى ، فيقول: " خصمان اختصما فى ربهما " !.

الرد على

الشبهة:

أشرنا من قبل إلى طريقتين من طرق التعبير اللغوى الفصيح ، وهما:

- طريقة مراعاة اللفظ.

- وطريقة مراعاة المعنى

فحيث جمع القرآن الضمير العائد على المثنى ، فهو من استعمالات الطريقة الثانية ، التى يراعى فيها جانب المعنى على جانب اللفظ.

وينبغى أن نعرف أن المثنى نوعان:

- مثنى حقيقى ، ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) (2).

ف " رجلان " مثنى حقيقى ؛ لأن واحده فرد فى الوجود ؛ أو ذات واحدة ؛ هذا هو المثنى الحقيقى. وإذا وُصِفَ أو استؤنف الحديث عنه وجب تثنية الضمير العائد عليه.

* أما النوع الثانى من المثنى ، فهو المثنى اللفظى ومثاله من القرآن قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ) (3).

وهذا النوع من المثنى ضابطه أن واحده جمع فرد من عدة أفراد ، وليس فرداً واحداً.

والنوع الأول (المثنى الحقيقى) يسمى مثنى لفظاً ومعنى.

أما الثانى (المثنى غير الحقيقى) فيسمى مثنى فى اللفظ ، وجمعاً فى المعنى. وفى وصفه أو استئناف الحديث عنه يجوز أن يراعى فيه جانب اللفظ ، أو جانب المعنى.

ومنه ما ورد فى آية " الحج ": " هذان خصمان " لما كان معناه جمعاً روعى فيه جانب المعنى فقال عز وجل: " اختصموا فى ربهم " ومعروف أن مفرد الخصمين خصم ، وهو اسم جنس يندرج تحته - هنا - أفراد كثيرون وبهذا نزل القرآن فى هذه الآية ، فتحدث عن الخصمين بضمير " الجمع " الذى هو " واو الجماعة " " اختصموا " ثم بضمير الجماعة " هم " فى قوله تعالى: " فى ربهم ".

ونظيره فى القرآن قوله تعالى:

(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) (4). أعاد الضمير جمعاً " اقتتلوا " هذا فى جملة الخبر ، مع أن المبتدأ مثنى " طائفتان " وذلك لأن هذا اللفظ مثنى غير حقيقى ، بل هو مثنى فى اللفظ ، جمع فى المعنى.

وفى هذه الآية راعى النظم القرآنى المعجز المعنى فى جملة الخبر وحدها " اقتتلوا " ثم راعى اللفظ فى بقية الآية هكذا:

(فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما (.

وكلا المنهجين فصيح صحيح بليغ.

والذى سوَّغ مراعاة المعنى فى " اقتتلوا " وقوعه بعد جمعٍ ، هو " المؤمنين " ، وليس فوق ذلك درجة من الصحة والإصابة ، وإن كره الحاقدون.

والخلاصة:

أن " اختصموا " و " فى ربهم " الذوق السليم يشهد أن " اختصموا " أبلغ من اختصما ، وأن " ربهم " أبلغ من ربهما.

لأن " اختصموا " يفيد تبادل الخصومة بين جميع أفراد ال " خصمان " من أول وهلة ، وكذلك " ربهم ؛ إن ضمير الجمع فيه " هم " يفيد من أول وهلة ربوبية الله لكل فرد منهم.

والاختصام هو الحدث الرئيسى فى هذه الواقعة. فعُبِّر عنه بهذا اللفظ الفخم " اختصموا " ومحال أن يستقيم لو قيل بعده " فى ربهما " فسبحان من هذا كلامه ، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد.

===========

18- الإتيان باسم الموصول العائد على الجمع مفرداً

منشأ هذه الشبهة:

ومنشأ هذه

الشبهة - عندهم - قوله تعالى: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ، وخضتم كالذى خاضوا أولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) (1).

والشاهد - عندهم - فى الآية هو قوله تعالى: " وخضتم كالذى خاضوا " وآثرنا ذكر الآية بتمامها لأن الرد على هذه

الشبهة يقتضى النظر فى الآية كلها لا فى الجزء الذى استشهدوا به وحده.

وكان تعليقهم على قوله عز وجل: (وخضتم كالذى خاضوا (هو قولهم: " وكان يجب أن يجمع اسم الموصول العائد على ضمير الجمع فيقول: (خضتم كالذين خاضوا (!

الرد على

الشبهة:

هذه الآية - بتمامها - وردت فى سياق الحديث عن المنافقين ؛ لأن ما قبلها هو قوله عز وجل: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هى حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ) (2).

والآية مسوقة لتهديد المنافقين والكفار ، لعلهم يقلعون عما هم فيه من نفاق وكفر.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٢١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٢١٣