نعم . ولكن لماذا ؟ إن هذا ليس كما يفهم الحمقى هدفاً في ذاته ، وإنما هو كان في أوربا وسيلة لهدف آخر هو تحرير الفكر من الخرافة ، وتحرير الناس من الطغيان . فإذا كانوا يملكون هذه الحرية وتلك في ظل الإيمان، فما الهدف الذي يريدون تحقيقه ؟
يريدون الانحلال الخلقي والفوضى الجنسية بغير رادع ، تلك هي حقيقة المسألة . وليس الجانب الفكري إلا ستاراً يغطون به عبوديتهم للشهوات ، ثم يزعمون أنهم أحرار الفكر . وليس الإسلام مكلفاً أن يطيع العبيد وهو يدعو إلى التحرر من كل سلطان بما في ذلك سلطان الشهوات .
* * *
ويقولون إن نظام الحكم في الإسلام دكتاتوري بطبعه . لأن الدولة فيه تملك سلطة واسعة، ويزيد الأمر سوءاً أنها تملكها باسم الدين ، باسم شيء مقدس له على نفوس الناس سلطان . فما أسهل ما يغري هذا السلطان بالدكتاتورية ، وما أسهل ما تستنيم لها الدهماء . وبهذا تختنق حرية الرأي ، ويصبح الخارج على الحاكم عرضة للاتهام بالخروج على الدين .
فمن أين جاءوا بهذا القول الغريب على الدين ؟
أمن قول الله عزّ وجلّ : " وأمرهم شورى بينهم " ( ) ؟ وقوله : " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " ( ) .
أم من قول أبي بكر : " .. فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم " ؟
أم من قول عمر : " فإن وجدتم فيّ اعوجاجاً فقوموه " فيقول له رجل من المسلمين : " والله لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد السيف " فيغتبط عمر ويرضى ويحمد الله على ذلك؟!
نعم وجد الطغيان باسم الدين في التاريخ ، ويمكن أن يقوم في أي وقت . ولكن من ذا الذي يقول إن الدين وحده هو ستار الطغيان في الأرض ؟ وهتلر ؟ هل كان يطغى باسم الدين؟ وستالين ؟ لقد اعترفت الصحافة الروسية ذاتها بدكتاتورية ستالين - بعد موته - وقالت إنه كان يحكم روسيا حكماً بوليسياً فظاً لا يجوز أن يتكرر ! وفرانكو ؟ ومالان في جنوب افريقيا ؟ وشان كاي شك في الصين الوطنية ؟ وماوتسي تونج في الصين الشيوعية ؟ كل هؤلاء يطغون باسم الدين ؟ ! لقد رأى هذا القرن " المتحرر " من سلطان الدين أبشع دكتاتوريات التاريخ ، بعنوانات أخرى لامعة لا تقل قداسة في نفوس أتباعها عن قداسة الدين في نفوس المؤمنين .
وما يدافع أحد عن الدكتاتورية ، وما يرضاها إنسان حر الفكر والضمير . ولكن استقامة الطبع والفكر تقتضي الإقرار بالحق الخالص دون ميل مع الهوى والشهوات . والحق أن كل معنى جميل يمكن استغلاله والتستر وراءه لقضاء المآرب الشخصية وقد ارتكبت باسم الحرية أفظع الجرائم في الثورة الفرنسية . فهل نلغي الحرية ؟ وباسم الدستور سجن الأبرياء وعذبوا وقتلوا ، فهل نلغي الدساتير ؟ وباسم الدين قام الطغيان حقاً في الأرض فهل يبرر ذلك أن نلغي الدين ؟ كان هذا يكون مطلباً معقولاً لو أن الدين في ذاته ، بتعاليمه ونظمه يؤدي إلى الظلم والطغيان . فهل يصدق ذلك على الإسلام الذي ضرب من أمثلة العدل المطلق - لا بين المسلمين وحدهم ، بل بين المسلمين وأعدائهم من المحاربين - ما أقر به حتى أولئك الأعداء في أكثر من حادث وأكثر من فترة على مدار التاريخ ؟
إنما علاج الطغيان أن ننشئ شعباً مؤمناً يقدر الحرية التي ينادي بها الدين ويحرص عليها ، فيصد الحاكم عن الظلم ، ويقف به عند حده المرسوم . ولست أحسب أن نظاماً يهدف إلى ذلك مثل النظام الذي جعل من واجب الشعب تقويم الحاكم الظالم . فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكراً فليغيره .. ( ) " ويقول : " إن من أعظم الجهاد عند الله كلمة حق عند إمام جائر ( ) " ..
طريقكم إذن للتحرر أيها التقدميون ليس إلغاء الدين . وإنما هو تعليم الناس هذه الروح الثائرة التي تنفر من الظلم وتقوّم الظالمين . وإنها في صميمها لروح هذا الدين
(محمد قطب)
=====================
الإسلام … والطائفية
موقف الطوائف غير المسلمة من حكم الإسلام مسألة يقال عنها دائماً إنها شائكة ودقيقة ، ويتجنب الناس الحديث فيها مخافة وقوع الفتنة بين المسلمين وغير المسلمين .
ولكني شخص تعودت على الصراحة الكاملة بيني وبين نفسي ، وبيني وبين الناس ، وبهذه الصراحة الكاملة أحب أن أسأل المسيحيين في الشرق الإسلامي : ما الذي يخشون من حكم الإسلام ؟ هل يخشون النصوص أم يخشون التطبيقات ؟
أما النصوص فتقول : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتقسطوا إليهم . إن الله يحب المقسطين ( ) " .
وتقول : " وطعام الذين أتوا الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم ، والمحصنات من المؤمنات ، والمحصنات من الذين أوتو الكتاب ( ) " .
والمبدأ الفقهي العام : " لهم ما لنا وعليهم ما علينا ".